د. نضال أبوزكي، مدير عام مجموعة أورينت بلانيت
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد محطة جديدة في مسار التحول الرقمي، ولا أداة إضافية لتحسين الإنتاجية داخل المؤسسات، بل أصبح اليوم أحد مكونات القوة الاقتصادية والجيوسياسية في العالم، وعنصراً رئيسياً في إعادة تشكيل موازين النفوذ بين الدول والشركات الكبرى.
فالسباق العالمي لم يعد يدور حول البرمجيات والخوارزميات وحدها، بل حول البنية التحتية المتقدمة التي تُمكّن تطوير الذكاء الاصطناعي وتشغيله والتحكم في قدراته، من الرقائق المتقدمة ومراكز البيانات، إلى القدرة الحاسوبية وسلاسل الإمداد، مروراً بالبنية السحابية السيادية والكفاءات القادرة على تحويل هذه التقنية إلى قيمة اقتصادية ومؤسسية حقيقية.
وتشير التقديرات إلى أن حجم الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي يقترب من 2.6 تريليون دولار في عام 2026، في مؤشر واضح على انتقال هذا القطاع من مرحلة التجريب والاهتمام التقني إلى مرحلة التمركز الاقتصادي واسع النطاق. وهذا الإنفاق لا يتجه إلى التطبيقات الاستهلاكية وحدها، بل يتدفق بصورة متزايدة نحو البنية الأساسية التي تقوم عليها الصناعة: أشباه الموصلات، مراكز البيانات، الحوسبة السحابية، الطاقة، والأنظمة القادرة على تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
وتبرز الرقائق المتقدمة باعتبارها أحد أهم مفاتيح القوة الجديدة. فالنموذج اللغوي أو النظام الذكي لا يعمل في الفراغ، بل يحتاج إلى قدرة حاسوبية هائلة، وإلى شرائح متطورة، ومراكز بيانات ضخمة، وشبكات طاقة موثوقة. لذلك تحولت أشباه الموصلات من قطاع صناعي متخصص إلى ملف استراتيجي يتداخل فيه الاقتصاد بالأمن القومي والسياسة الخارجية.
ضمن هذا السياق، تحتل شركة ASML الهولندية موقعاً محورياً في صناعة المستقبل الرقمي، نظراً لدورها في إنتاج أنظمة الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة، وهي التقنية اللازمة لتصنيع أكثر الرقائق تقدماً. هذه المكانة تجعل الشركة حلقة مركزية في سلسلة توريد عالمية شديدة التعقيد، وتوضّح كيف يمكن لشركة واحدة أو تقنية واحدة، أن تتحول إلى نقطة تأثير في الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، تمثل تايوان نقطة ارتكاز في صناعة الرقائق المتقدمة، إذ تتركز فيها قدرات تصنيع يصعب استبدالها سريعاً. وتكمن حساسية هذا التمركز في أن جزءاً كبيراً من الاقتصاد الرقمي العالمي، من الهواتف الذكية إلى مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، يعتمد على استمرارية هذه السلاسل. ولهذا لم تعد الرقائق مجرد مكونات إلكترونية، بل أصبحت جزءاً من معادلة الأمن الاقتصادي العالمي.
ولا تقتصر المنافسة على التصنيع فقط، فقد أظهرت بيانات دولية أن الصين سجلت بين عامي 2014 و2023 أكثر من 38 ألف اختراع مرتبط بالذكاء الاصطناعي التوليدي، بما يعادل نحو ستة أضعاف الولايات المتحدة في الفترة نفسها. وهذا يعكس اتساع المنافسة الدولية حول المعرفة والبراءات والنماذج والتطبيقات، لا حول الأجهزة والبنية التحتية فقط.
وفي موازاة ذلك، أصبحت مراكز البيانات والقدرة الحاسوبية بمثابة “وقود الاقتصاد الجديد”. ففي القرن الماضي، كان امتلاك النفط والغاز يمنح الدول والشركات ثقلاً اقتصادياً واستراتيجياً واضحاً. أمّا اليوم، فإن امتلاك القدرة على تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي وتدريبها وتحسينها بات عاملاً لا يقل أهمية في تحديد موقع الدول داخل الاقتصاد العالمي الجديد.
غير أن هذا الوقود الرقمي يحتاج بدوره إلى وقود حقيقي هو الكهرباء. فمراكز البيانات لم تعد منشآت تقنية صامتة، بل أصبحت بنى تحتية كثيفة الاستهلاك للطاقة، وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن استهلاكها العالمي للكهرباء قد يتضاعف بحلول عام 2030. وهذا يعني أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يتحدد فقط بقدرة الدول على جذب شركات التكنولوجيا، بل أيضاً بقدرتها على تأمين الطاقة، وتطوير الشبكات الكهربائية، وربط التوسع الرقمي بأهداف الاستدامة.
ومع اتساع الاعتماد على مراكز البيانات والحوسبة السحابية، يبرز مفهوم “البنية السحابية السيادية” بوصفه أحد مفاهيم المرحلة الجديدة، ويُقصد به امتلاك الدولة أو مؤسساتها قدرة آمنة ومنظمة على تخزين البيانات، وتشغيل التطبيقات، وإدارة الخدمات الرقمية ضمن أطر وطنية واضحة تتعلق بالخصوصية، والأمن، والامتثال، والتحكم في البيانات. فالدولة التي لا تمتلك قدرة كافية على تخزين بياناتها، وتشغيل نماذجها، وبناء تطبيقاتها ضمن بيئة آمنة وموثوقة، ستجد نفسها معتمدة على بنى تحتية خارجية. وهذه التبعية لا تعني فقط استيراد التقنية، بل قد تعني أيضاً تبعية في القرار الرقمي، وفي إدارة البيانات، وفي بناء المعرفة المستقبلية.
وتبرز دولة الإمارات كنموذج متقدم في التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعاً وطنياً لا مجرد قطاع تقني. فقد تصدرت مؤشرات عالمية في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي، بما يعكس سرعة انتشار هذه التقنيات بين الأفراد والمؤسسات، ونجاح الدولة في بناء بيئة رقمية مرنة ومهيأة للتحول. لكن الأهم من الاستخدام الواسع هو انتقال الإمارات إلى الاستثمار في البنية التحتية العميقة للذكاء الاصطناعي. فالشراكات الدولية الكبرى، والاستثمارات في مراكز البيانات، والتعاون مع شركات عالمية مثل مايكروسوفت وأوبن ايه آي، تعكس اتجاهاً واضحاً نحو تحويل الدولة إلى مركز إقليمي وعالمي للحوسبة والذكاء الاصطناعي، لا مجرد سوق لاستهلاك التطبيقات.
ويحمل مشروع “Stargate UAE” في أبوظبي دلالة استراتيجية في هذا الاتجاه، إذ يرتبط ببناء واحدة من أكبر بنى الحوسبة المخصصة للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة، مع قدرة مخطط لها تصل إلى واحد غيغاواط ومرحلة أولى متوقعة خلال عام 2026. وتضع مثل هذه المشاريع الإمارات في موقع مختلف داخل الخريطة العالمية للذكاء الاصطناعي، لأنها تربط بين الرؤية الحكومية، والقدرة الاستثمارية، والبنية التحتية، والشراكات الدولية.
ومع ذلك، فإن التحول الحقيقي لا يتحقق بالبنية التحتية وحدها. فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التعليم، وتطوير المهارات، والسياسات الصناعية، وحوكمة البيانات، والتشريعات، وأخلاقيات الاستخدام. فالدول التي ستنجح في المرحلة المقبلة ليست فقط تلك التي تشتري أحدث التقنيات، بل التي تستطيع دمجها في مؤسساتها ومدارسها وجامعاتها وقطاعاتها الاقتصادية وخدماتها الحكومية.
أما بالنسبة للدول النامية، فإن الذكاء الاصطناعي يفتح فرصة تاريخية للقفز فوق بعض مراحل التطور التقليدي، إذا أحسنت توظيفه في قطاعات مثل الزراعة الدقيقة والصحة والتعليم والمدفوعات الرقمية والطاقة المتجددة والتخطيط الحضري الذكي. غير أن هذه الفرصة ليست مضمونة، لأنها تتطلب بنية رقمية، ومهارات بشرية، وسياسات واضحة، وقدرة على حماية البيانات وبناء الثقة.
في المحصلة، تجاوز الذكاء الاصطناعي فكرة كونه أداة للإنتاج أو التحسين، وأصبح جزءاً من البنية الجديدة للقوة في العالم. فمن يمتلك الرقائق، والحوسبة، والطاقة، والبيانات، والمهارات، وسلاسل التوريد، يمتلك موقعاً متقدماً في تشكيل الاقتصاد العالمي المقبل. ومن يتأخر في بناء هذه المنظومة، لن يتأخر تقنياً فقط، بل قد يجد نفسه على هامش واحدة من أكبر التحولات الاقتصادية والجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين.

