بقلم الدكتور نافين فالاراني، الرئيس التنفيذي لمجموعة أركاديا للتعليم، ونائب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لمجموعة الشيراوي
غالبًا ما يُنظر إلى النمو باعتباره المقياس الأبرز لنجاح الشركات، لكن قيادة مؤسسة خلال مرحلة من التوسع السريع تكشف أن النجاح لا يقتصر على زيادة الإيرادات أو دخول أسواق جديدة، بل يتطلب الحفاظ على المقومات التي أسهمت في نجاحها منذ البداية.
وسواء كان التوسع يشمل دخول قطاعات جديدة، أو إطلاق علامات تجارية، أو الانتشار في الأسواق العالمية، فإنه يصاحبه بالضرورة قدر أكبر من التعقيد. فمع انضمام فرق عمل جديدة، والتعامل مع شرائح مختلفة من العملاء، واعتماد أساليب عمل متنوعة، تتزايد التحديات المرتبطة بالثقافة المؤسسية والحوكمة واتخاذ القرارات. وفي غياب الأسس السليمة، قد يؤدي النمو إلى تشتت الجهود وتراجع الانسجام بين مختلف أعمال المؤسسة، وهو تحدٍ تزداد أهميته في بيئة الأعمال الحالية.
ومع وصول مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى 77.5% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لدولة الإمارات خلال النصف الأول من عام 2025، وفق بيانات المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء، تتجه الشركات بوتيرة متسارعة نحو تنويع أنشطتها ودخول قطاعات جديدة وتبني التقنيات الناشئة.
وفي الوقت نفسه، يواجه قادة الأعمال مجموعة متشابكة من التحديات؛ فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل القطاعات بسرعة تفوق قدرة العديد من المؤسسات على التكيف، فيما تتزايد تطلعات الموظفين إلى بيئات عمل توفر لهم أهدافًا واضحة ومرونة وفرصًا مستمرة للتعلم والتطور، إلى جانب الرواتب التنافسية. وتضاف إلى ذلك حالة عدم اليقين الجيوسياسي والضغوط التضخمية واضطرابات سلاسل الإمداد، التي تواصل اختبار قدرة الشركات على الصمود.
وفي ظل هذه المتغيرات، لم يعد التوسع الناجح يعني بناء شركات أكبر حجمًا فحسب، بل تطوير مؤسسات قادرة على التكيف باستمرار مع الحفاظ على هويتها وقيمها الأساسية.
لقد أتاحت لي تجربتي في قيادة أعمال متنوعة تشمل الصناعات الثقيلة والتصنيع والإنشاءات والتعليم المتميز أن أتعلم أن اختلاف القطاعات لا يغيّر كثيرًا من المبادئ التي تقوم عليها القيادة المستدامة. ومن هذه التجربة، أرى أن هناك خمس ركائز أساسية ينبغي لكل قائد مراعاتها عند توسيع أعمال مجموعة تضم علامات تجارية متعددة.
أولًا: ثقافة مؤسسية موحدة لا تعني نموذج عمل واحدًا
من المفاهيم الشائعة أن توسع المجموعات يتطلب توحيد أساليب العمل في جميع شركاتها، لكن الاتساق الحقيقي يجب أن ينبع من القيم المشتركة، وليس من فرض نموذج تشغيلي واحد على الجميع.
وقد عززت تجربتي في الموازنة بين متطلبات المشاريع الهندسية والصناعية في مجموعة الشيراوي، التي تستلزم سرعة التنفيذ ودقة القرارات، وبين طبيعة العمل طويل الأمد القائم على بناء العلاقات والثقة في مجموعة أركاديا للتعليم، قناعتي بضرورة أن يتعامل القادة مع كل قطاع وفق متطلباته الخاصة.
فمجموعة الشيراوي تعمل في بيئة تقوم على الشراكات الصناعية والتميز الهندسي والكفاءة التشغيلية، بينما تتمحور أعمال أركاديا حول الطلبة وأولياء الأمور والمخرجات التعليمية. ولكل منهما طبيعتها ولغتها وأولوياتها، وليس من المنطقي أن تتشابه المؤسستان في هويتهما أو طريقة تواصلهما مع جمهورهما.
وكثيرًا ما أشبّه المجموعة المتنوعة بالمجموعة الشمسية، التي تدور مكوناتها حول مركز ثابت يتمثل في ثلاثة مبادئ لا يمكن التنازل عنها: النزاهة، والانضباط المالي، والاهتمام بالإنسان. فقد تختلف متطلبات القطاعات والأسواق والثقافات، لكن هذه القيم يجب أن تبقى راسخة في جميع الشركات، مع منح كل علامة تجارية المساحة اللازمة لتطوير هويتها وتجربة عملائها ونموذجها التشغيلي.
ثانيًا: الثقافة المؤسسية ميزة تنافسية يصعب تقليدها
مع توسع الشركات، من الطبيعي أن ينصب اهتمام قادتها على الأداء التجاري. فأهداف الإيرادات والاستحواذات ودخول الأسواق الجديدة تتصدر اجتماعات مجالس الإدارة، لأنها تشكل أساس الاستدامة المالية للأعمال. لكن الثقافة المؤسسية هي التي تحدد في كثير من الأحيان ما إذا كان هذا النمو قابلًا للاستمرار.
فالاستراتيجيات يمكن تقليدها، والمنتجات تتطور، والتكنولوجيا تصبح متاحة للجميع بمرور الوقت، أما بناء ثقافة مؤسسية راسخة فهو أمر يصعب على المنافسين تكراره.
وعندما تستثمر المؤسسات في ثقافتها، فإنها تهيئ بيئة يستطيع فيها الموظفون اتخاذ القرارات السليمة حتى في غياب الإدارة العليا، وتترسخ فيها المسؤولية والثقة وروح المبادرة على مختلف المستويات.
وكلما ازداد حجم المؤسسة وتوسعت صلاحيات فرقها وإداراتها، أصبحت الثقافة المشتركة من أهم العوامل التي تحافظ على تماسكها وتضمن استمرارية أدائها.
ثالثًا: طوّر الأنظمة قبل أن تتوسع في طموحاتك
من أكبر الأخطاء التي تقع فيها المؤسسات خلال مراحل النمو أن تتوسع أعمالها بوتيرة أسرع من تطور أنظمة الحوكمة والإدارة لديها.
فكل سوق جديدة أو عملية استحواذ أو وحدة أعمال إضافية تزيد من تعقيد العمليات. وإذا لم تتطور القدرات القيادية والضوابط المالية والأنظمة التشغيلية بالوتيرة نفسها، فستظهر الاختلافات في الأداء والممارسات بين أجزاء المؤسسة.
ويتطلب النمو المستدام الاستثمار في مقومات قد لا يراها العملاء مباشرة، لكنها تشكل أساس نجاح أي مؤسسة، وفي مقدمتها الحوكمة الفاعلة، والتخطيط لتعاقب القيادات، وتطوير الكفاءات القيادية، ووضع أطر واضحة لاتخاذ القرارات.
ولا يقل الحفاظ على قوة المركز المالي أهمية عن السعي إلى النمو. فالإيرادات وحدها ليست مقياسًا كافيًا للنجاح، والشركات التي تحرص على تعزيز متانتها المالية خلال فترات التوسع تكون أكثر قدرة على مواصلة الاستثمار، ودعم موظفيها، وخدمة عملائها عندما تواجه الأسواق ظروفًا أكثر صعوبة.
رابعًا: مكّن القادة ولا تحتكر اتخاذ القرارات
مع اتساع أعمال المؤسسة، يصبح من غير الممكن أن تظل جميع القرارات محصورة في قمة الهرم الإداري. فالقيادة الناجحة في المؤسسات الكبيرة تتطلب منح المسؤولين عن العمليات اليومية الوضوح والصلاحيات اللازمة للاستجابة لتغير احتياجات العملاء وظروف الأسواق.
فالمؤسسات التي تمنح قادتها الأكفاء الثقة والقدرة على اتخاذ القرارات تستطيع التحرك بسرعة أكبر، وتطوير حلول مبتكرة، والحفاظ على علاقات وثيقة مع عملائها.
وستواصل التكنولوجيا تغيير أساليب عمل المؤسسات، لكن نجاح هذا التحول سيظل مرتبطًا بالأشخاص الذين يقودونه وينفذونه. ومع تزايد اهتمام الموظفين بالعمل الذي يحمل هدفًا واضحًا، والمرونة، وفرص اكتساب مهارات جديدة باستمرار، بات من الضروري أن يتطور مفهوم القيادة من مجرد توجيه فرق العمل إلى تهيئة بيئة تمنح الأفراد القدرة على التعلم والمساهمة وتحمل المسؤولية وتولي أدوار قيادية.
خامسًا: ابنِ مؤسسة قادرة على النجاح دون الاعتماد عليك
يتحقق التوسع الحقيقي عندما تصبح المؤسسة قادرة على النجاح والاستمرار دون الاعتماد على شخص واحد. فإذا كانت جميع القرارات الرئيسية لا تزال تتطلب تدخل المؤسس أو الرئيس التنفيذي، فهذا يعني أن حجم الأعمال قد ازداد، لكن المؤسسة لم تصل بعد إلى مرحلة النضج التي يقتضيها التوسع المستدام.
فالمؤسسات الأكثر قوة هي التي تستثمر في إعداد القادة على جميع المستويات، وتبني أنظمة تضمن استمرارية أعمالها، وتحرص على تحقيق قيمة لجميع الأطراف التي تتعامل معها.
واليوم، لم يعد نجاح الشركات يُقاس بالعوائد التي تحققها للمساهمين وحدهم، بل أيضًا بقدرتها على إحداث أثر إيجابي طويل الأمد، والحفاظ على مرونتها في مواجهة فترات عدم اليقين.
وقد ذكّرتنا التطورات الجيوسياسية الأخيرة بأن الاضطرابات قد تحدث دون سابق إنذار، وهو ما يؤكد أهمية بناء مؤسسات تستطيع التكيف مع المتغيرات، ومساندة موظفيها، والوفاء بالتزاماتها تجاه عملائها وشركائها بثقة واستمرارية.
ومن خلال تجربتي في قيادة أعمال تجمع بين القطاعين الصناعي والتعليمي، ترسخت لدي قناعة تتقدم على سائر الدروس: أن التوسع الناجح يبدأ بالإنسان ويعتمد عليه في المقام الأول. فالقطاعات والمنتجات والتقنيات ستواصل التطور، لكن المؤسسات التي تحافظ على وضوح أهدافها، وتتمسك بقيمها وثقافتها المؤسسية، وتمنح قادتها الثقة والصلاحيات اللازمة، ستكون الأقدر على مواكبة التغيرات وتحقيق النجاح المستدام.


