قطاع المياه يشهد قطاع المياه في منطقة الخليج تحولاً متسارعاً، مدفوعاً بتزايد الاستثمارات في التحلية ومعالجة المياه وإعادة استخدامها، والحاجة إلى حلول أكثر كفاءة واستدامة. وفي هذا السياق، تعزز مجموعة حسن علام القابضة حضورها الإقليمي في قطاع المياه من خلال تكامل خبرات “ميتيبرو” و”إينتك” وشركاتها المتخصصة، بما يدعم تطوير حلول متكاملة تجمع بين الهندسة والتنفيذ والتشغيل والتكنولوجيا، وتواكب المتطلبات المتنامية للأمن المائي والاستدامة في الشرق الأوسط.

وقال المهندس كريم مدور، رئيس مجلس إدارة شركة “ميتيبرو”، إن انضمام الشركة إلى “مجموعة حسن علام القابضة” يمثل امتداداً لتعاون قائم، وخطوة لتعزيز منصة المجموعة في قطاع المياه. فالمجموعة تجمع بين خبرة تتجاوز 90 عاماً في البنية التحتية وقدرات شركات متخصصة، تشمل “حسن علام للإنشاءات” و”إينتك” و”بايوركس” و”ريدجوود”. وتضيف “ميتيبرو” إلى هذه المنظومة خبرة عالمية تمتد لأكثر من 65 عاماً وعمليات عبر أكثر من 50 دولة، في مجالات التحلية ومعالجة مياه الصرف وإعادة الاستخدام ومعالجة المياه السطحية والحلول الصناعية.
وأضاف أن تركيز الشركة ينصب في المرحلة الراهنة بصورة أوضح على مشروعات المياه ذات القيمة المضافة، ولا سيما معالجة المياه ومياه الصرف الصحي والتحلية، إلى جانب المشروعات الصناعية المرتبطة بهذا القطاع. ويعزز وجودها ضمن مجموعة حسن علام القابضة قدرتها على استهداف مشروعات أكبر وأكثر تعقيداً، والاستفادة من تكامل الخبرات عبر مختلف مراحل المشروع، بدءاً من التطوير والتصميم، وصولاً إلى التنفيذ والتشغيل.
وأوضع أن طموح الشركة لا ينحصر في سوق واحدة، إذ ترى فرصاً واعدة في دول الخليج والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء. لكن الأولوية لا تتمثل في زيادة عدد المشروعات فقط، بل في اختيار المشروعات التي تتطلب قدرات هندسية وتنفيذية متقدمة، وتتيح تقديم قيمة حقيقية ومستدامة.
اقتصاديات التحلية وإدارة المخاطر
وأشار مدور إلى أن اقتصاديات تحلية المياه في منطقة الخليج شهدت تغيراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، إذ أصبحت تكلفة المشروع على امتداد دورة حياته عاملاً أكثر أهمية من تكلفة إنشاء المحطة وحدها. وقد أسهم تطور تقنيات الأغشية وتحسن كفاءة استهلاك الطاقة وزيادة حجم المشروعات في رفع الكفاءة التشغيلية، في وقت أصبحت فيه تكاليف التمويل والطاقة وسلاسل الإمداد والإنشاء أكثر تأثيراً في التكلفة النهائية لإنتاج المياه.
وبالنسبة للمشروعات طويلة الأجل، يرى مدور أنه لا يمكن تحقيق مستويات الكفاءة المطلوبة عندما يتحمل طرف واحد كامل المخاطر، بل عندما يتم توزيع المسؤوليات وفق قدرة كل طرف على إدارتها. فالمقاول يكون الأقدر على التعامل مع مخاطر التصميم والتنفيذ، بينما ترتبط مخاطر التمويل بهيكل المشروع وآلياته التعاقدية، وتُحدد مخاطر الطلب أو شراء المياه وفق التزامات الجهة المالكة أو المشتري. أما تقلبات أسعار الطاقة، فتحتاج إلى إطار تعاقدي واضح يضمن التعامل معها بطريقة متوازنة وقابلة للتطبيق. وفي المحصلة، لا يُقاس نجاح مشروعات التحلية طويلة الأجل بخفض التكلفة المبدئية وحدها، بل بقدرة المشروع على الاستمرار بكفاءة عبر نموذج تعاقدي واضح ومتوازن يوزع المخاطر بصورة عادلة، ويدعم استدامته طوال دورة حياته.
المنافسة في السوق الإماراتية
وفيما يتعلق بالسوق الإماراتية، أشار مدور إلى أنها شهدت خلال السنوات الأخيرة مستوى أعلى من النضج والتنافسية، وهو تطور إيجابي يعكس تقدم القطاع. فبعدما كانت الخبرة الفنية وسجل تنفيذ المشروعات من أبرز عوامل التميز، أصبحت متطلبات السوق اليوم أكثر شمولاً، إذ لم تعد المنافسة تعتمد على القدرات الفنية وحدها، بل تشمل القدرة على تقديم حلول فعالة من حيث التكلفة، وفهماً دقيقاً لأولويات المالك، وكفاءة في إدارة المشروعات والتمويل، إلى جانب التعامل بمرونة مع متطلبات المحتوى المحلي وسلاسل التوريد.
وأضاف أن التحدي الأكبر اليوم لم يعد دخول السوق بحد ذاته، بل بناء الثقة وتعزيز الحضور وتحقيق الإنجازات الملموسة. فالعملاء يبحثون عن شركاء يمكنهم تنفيذ المشروعات بكفاءة، وإدارة المخاطر بفعالية، والالتزام بالجداول الزمنية، وتقديم قيمة مستمرة طوال دورة حياة المشروع. ومن هنا، يبقى السجل القوي في المنطقة عاملاً مهماً، لكن القيمة الحقيقية تكمن في البناء عليه لتطوير علاقات طويلة الأجل، وتقديم حلول تواكب احتياجات السوق المتغيرة.
اختلاف الأسواق الخليجية ومتطلباتها
وحول الفروقات بين أسواق السعودية والإمارات وقطر، أوضح مدور أن هذه الأسواق تحتل أهمية كبيرة في قطاع المياه، إلا أن لكل منها طبيعة مختلفة من حيث حجم الفرص ومتطلبات التنفيذ. ففي المملكة العربية السعودية، تدعم وفرة المشروعات والتوجه الواضح نحو توطين سلاسل القيمة وتعزيز المحتوى المحلي أهمية بناء حضور محلي وتطوير قدرات تنفيذية داخل المملكة. أما دولة الإمارات العربية المتحدة، فتتميز بكونها سوقاً ناضجة وتنافسية تضع الكفاءة والجودة والابتكار وسجل الإنجاز في صدارة معايير الاختيار. وفي قطر، ورغم أن حجم السوق أصغر نسبياً، تتطلب المشروعات مستويات عالية من الجودة والاعتمادية والقدرة على تلبية متطلبات المالك بدقة.

ومن الناحية التكنولوجية، لا ترتبط الفروقات الرئيسية بتوفر الحلول نفسها، بقدر ما تتعلق بقدرة الشركات على توظيفها بما يتناسب مع متطلبات كل مشروع. أما على مستوى التعاقد، فتختلف الأسواق من حيث آليات توزيع المخاطر ومتطلبات المحتوى المحلي وطبيعة الشراكات. لذلك، لا تعتمد الشركة نموذجاً موحداً في مختلف أسواق منطقة الخليج، بل تبدأ بفهم طبيعة كل سوق ومتطلبات المالك ونموذج المشروع، ثم تحدد الهيكل الفني والتعاقدي الأنسب.
الاندماج والاستحواذ ومستقبل المنافسة
وفيما يتعلق بتأثير توسع “مجموعة حسن علام القابضة” في قطاع المياه على المنافسة الإقليمية، أكد مدور أن هذا التوسع يعزز قدرة المجموعة على الجمع بين تطوير المشروعات وأعمال الهندسة والتنفيذ والتشغيل ضمن منظومة واحدة. وبالنسبة لميتيبرو، يوفر هذا التوجه قاعدة أقوى للتعامل مع مشروعات أكبر وأكثر تعقيداً، ويدعم خطط التوسع الإقليمي بقدرات أوسع وأكثر تنوعاً. وما يميز هذه الخطوة هو تكامل القدرات داخل محفظة واحدة: خبرات حسن علام في تنفيذ مشروعات البنية التحتية الكبرى، وقدرات شركاتها المتخصصة في المياه، والخبرة العالمية لميتيبرو في الحلول البلدية والصناعية. وبالنسبة للعملاء، يوسع ذلك نطاق الحلول المتاحة ويعزز التنسيق بين الهندسة والتنفيذ والتشغيل والصيانة، وفق احتياجات كل مشروع.
وعلى مستوى السوق، يرى مدور أن قطاع المياه في الشرق الأوسط نحو نماذج عمل تجمع بين الشراكات وعمليات الاندماج والاستحواذ، مدفوعة بتزايد حجم المشروعات وتعقيدها، والحاجة إلى ربط الخبرات الفنية والتمويلية والتنفيذية والتشغيلية ضمن أطر أكثر كفاءة. وفي الوقت نفسه، ستواصل الشركات المتخصصة والمرنة أداء دور مهم، في ظل استمرار الحاجة إلى خبرات فنية دقيقة في مختلف مراحل المشروعات.
وتوقع أن يشهد القطاع خلال المرحلة المقبلة مزيجاً من النمو العضوي والشراكات وعمليات الاندماج والاستحواذ، ليس بهدف زيادة حجم الشركات فحسب، بل لإضافة قدرات وخبرات جديدة تعزز قدرتها على مواكبة متطلبات السوق.
الأمن المائي وإدارة الطلب
ومن جهته، أكد المهندس سيف عيسى، الرئيس التنفيذي لشركتي “ميتيبرو” و”إينتك”، أن المرحلة المقبلة من تطور قطاع المياه في الخليج تتطلب الانتقال من التركيز على زيادة الإنتاج إلى إدارة أكثر تكاملاً للموارد، بما يشمل تعزيز إعادة الاستخدام، ورفع كفاءة التشغيل، وتطوير حلول ترتبط باحتياجات القطاعات الصناعية والطاقة، والاستفادة من التكنولوجيا والبيانات في تحسين أداء المنظومة.
وأوضح أن دول الخليج قطعت شوطاً كبيراً في تطوير قدراتها لإنتاج المياه، لا سيما في مجالي التحلية ومعالجة مياه الصرف، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب اهتماماً أكبر بضبط الطلب بالتوازي مع تطوير قدرات إنتاجية جديدة. فالأمن المائي لا يرتبط بزيادة المعروض وحدها، بل بقدرة المنظومة على التعامل مع المياه في مختلف مراحلها، من الإنتاج والنقل والاستهلاك، إلى المعالجة وإعادة الاستخدام.
وقال “ومن هنا، تبرز الحاجة إلى الانتقال تدريجياً من التعامل مع المياه كمورد يتم إنتاجه واستهلاكه، إلى النظر إليها كجزء من منظومة أوسع تقوم على الاستخدام الرشيد وإعادة التدوير. ويتطلب ذلك التوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة، وتقليل الفاقد، ورفع كفاءة الشبكات، إلى جانب توظيف العدادات الذكية والبيانات والتحليلات الرقمية لفهم أنماط الاستهلاك وتوجيه الطلب بصورة أكثر دقة”.
وتابع “تؤكد تجربة حسن علام وماتيتو في مشروعات مثل المحسمة والدلتا الجديدة أهمية معالجة المياه وإعادة استخدامها على نطاق واسع. فهذه المشروعات تربط البنية التحتية للمياه بأهداف أوسع، تشمل دعم الأمن المائي والزراعة المستدامة وحماية البيئة. ومن هنا، ننظر إلى تعزيز منصة المياه لدى حسن علام باعتباره فرصة لتوسيع الحلول التي تحقق استفادة أكبر من الموارد المتاحة. ونرى أن القيمة الأكبر خلال المرحلة المقبلة ستأتي من الجمع بين البنية التحتية والتكنولوجيا وترشيد الطلب”.
تحديات قطاع المياه خلال السنوات المقبلة
وحول أبرز التحديات التي تواجه القطاع خلال السنوات الخمس المقبلة، قال عيسى إنه لا يرى أن التحدي الأكبر يرتبط بعامل واحد، بل بقدرة القطاع على تنفيذ مشروعات المياه بالسرعة المطلوبة، مع الحفاظ على جدواها الاقتصادية واستدامتها على المدى الطويل. فالطلب على المياه مستمر، والتكنولوجيا متاحة، ومصادر التمويل متعددة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تنسيق هذه العناصر ضمن مشروعات تمتد لسنوات طويلة وتتطلب قرارات دقيقة منذ مراحلها الأولى.
واعتبر أن تكاليف الطاقة والتمويل تظل من العوامل الأكثر تأثيراً، لا سيما في مشروعات التحلية، ما يجعل كفاءة استهلاك الطاقة وتصميم المحطات واختيار التكنولوجيا قرارات اقتصادية بقدر ما هي فنية. كما أصبحت سرعة اتخاذ القرار والتنفيذ عاملاً حاسماً في قدرة المشروعات على مواكبة الطلب المتزايد.
ويرى عيسى أن الحل يبدأ بتطوير مشروعات أكثر وضوحاً منذ مرحلة التصميم، إلى جانب اعتماد نماذج تعاقد وتمويل تحدد المسؤوليات وتوزع المخاطر بين الأطراف بصورة عادلة وقابلة للتطبيق. فالأهم هو أن يتحمل كل طرف المخاطر التي يملك القدرة على إدارتها، بدلاً من تحميل طرف واحد أعباء خارجة عن نطاق سيطرته.
المياه والقطاعات الصناعية والطاقة
وأشار عيسى إلى أن مشروعات المياه في الخليج أصبحت أكثر ارتباطاً بالتنمية الصناعية وقطاعات الطاقة والنفط والغاز والمناطق الاقتصادية الجديدة، إلى جانب دورها التقليدي في تلبية احتياجات البلديات والسكان. وهذا التحول يعكس الأهمية المتزايدة للمياه كجزء أساسي من منظومة الإنتاج ودعم الأنشطة الاقتصادية، وليس فقط كخدمة من خدمات البنية التحتية. وعندما يرتبط المشروع بمنشأة صناعية أو بقطاع الطاقة، تصبح متطلبات الجودة والاعتمادية واستمرارية التشغيل أكثر صرامة، وتزداد أهمية تقنيات المعالجة وإعادة الاستخدام واسترداد الموارد. وينعكس ذلك بشكل مباشر على الحلول ونماذج الأعمال التي تقدمها الشركة؛ فلم يعد الأمر يقتصر على إنشاء محطة، بل على تطوير حل متكامل يراعي جودة المياه المطلوبة، وكفاءة استهلاك الطاقة، وإعادة الاستخدام، ومتطلبات التشغيل والصيانة، وفي بعض الحالات استرداد الموارد من مياه الصرف.
ويرى عيسى أن مستقبل القطاع يتجه بشكل متزايد نحو هذه الحلول المتكاملة، التي تربط إدارة المياه باحتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة وتتعامل مع المشروع على امتداد دورة حياته.
إعادة استخدام المياه المعالجة وتحدياتها
وفيما يتعلق بالتوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة في دبي وأبوظبي، أوضح أن الفرص لا تزال مرتبطة بعدد من العوامل التنظيمية والفنية والاقتصادية، إلى جانب مستوى تقبل المستخدمين. فوضوح التشريعات والمعايير، وتوفر شبكات النقل والتوزيع، وتحقيق الجدوى الاقتصادية، وتعزيز الثقة في جودة المياه المعالجة، كلها عناصر أساسية لرفع قابلية تطبيق هذه الحلول على نطاق أوسع. ومن المهم التعامل مع المياه المعالجة باعتبارها مورداً يمكن توظيفه ضمن منظومة المياه، وليس مجرد ناتج عن عمليات المعالجة. فإعادة استخدامها تسهم في تخفيف الضغط على مصادر المياه التقليدية، وتعزز كفاءة استخدام الموارد، وتدعم استدامة دورة المياه على المدى الطويل.
وخلال المرحلة المقبلة، يتوقع عيسى أن يشهد استخدام المياه المعالجة نمواً أكبر في القطاعات الصناعية والري وبعض الاستخدامات الحضرية المناسبة، بالتوازي مع تطور تقنيات المعالجة والمراقبة وضمان الجودة. ومع ارتفاع مستويات الثقة في جودة المياه المعالجة، ووضوح معايير استخدامها، ستزداد فرص اعتمادها كحل عملي ومستدام ضمن منظومة إدارة المياه.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومستقبل المياه
واختتم عيسى بالإشارة إلى أن قطاع المياه في منطقة الخليج سيشهد خلال السنوات الخمس المقبلة تحولاً واضحاً من التركيز على زيادة مصادر الإنتاج فقط، إلى تبني مقاربة أشمل تشمل إعادة الاستخدام، وخفض استهلاك الطاقة، وتوظيف البيانات والتحليلات الرقمية بصورة أوسع في عمليات التشغيل. وعلى المستوى التكنولوجي، ستواصل تقنيات التحلية تطورها، لا سيما في تحسين أداء الأغشية وتطوير المعالجة الأولية، بالتوازي مع نمو حلول المعالجة المتقدمة. كما ستلعب تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية دوراً أكبر في رصد المشكلات مبكراً، ورفع موثوقية الأصول على المدى الطويل. أما على مستوى نماذج الأعمال، فمن المتوقع أن يتزايد الاعتماد على عقود ترتبط بالأداء واستمرارية التشغيل، بدلاً من التركيز على إنشاء المحطات فقط. وسيعزز هذا التحول دور الشركات القادرة على الجمع بين الخبرات الهندسية والتنفيذية والتشغيلية والتكنولوجية وإدارة الأصول ضمن منظومة حلول تلبي متطلبات القطاع في مرحلته المقبلة.

