اتجه شمالاً من يريفان مسافة ساعتين تقريباً، وستبدأ ملامح الأرض في التبدّل. تنبسط السهول، ويزداد الضوء حدّةً وصفاءً، وعند تخوم هضبة شيراك البركانية تنهض أمامك مدينة من حجر أسود وعسليّ اللون. هذه هي غيومري، ثاني أكبر مدن أرمينيا، وفي وجدان معظم الأرمن قلبها الثقافي الحقيقي.
تشعر بذلك قبل أن يخبرك به أحد. ثمة في هيئة غيومري وثقتها الهادئة ما يوحي بمكانٍ ظلّ يصنع الأشياء بيديه قروناً ولم يتوقّف يوماً. رسّامون وشعراء وخزّافون ونحّاتو حجر وساخرون لاذعون. أنجبت المدينة هؤلاء جميعاً، وهي تحمل هذا الإرث بخفّةٍ ودون تكلّف.

ابدأ من حيّ كومايري، المدينة القديمة، حيث تحتفظ العمارة التي تعود إلى القرن التاسع عشر بهيئتها كاملةً تقريباً. شُيّدت المباني هنا من حجر التوف المحليّ، وهو صخر بركانيّ مساميّ تتدرّج ألوانه من الفحميّ الداكن إلى المشمشيّ الدافئ، وللشوارع رحابةٌ متوسّطية: شُرفات خشبية محفورة، وحوامل مصابيح من حديد، وأفنيةٌ تُطلّ عليها من خلف بواباتٍ مواربة. صمد جانبٌ كبير من هذا الحيّ في وجه زلزال عام 1988 المدمّر، وأعاد أهل غيومري البناء بالحجر نفسه الذي اقتلعه أجدادهم من المحاجر. الصمود هنا ليس كلمةً للدعاية. إنه في صلب البنيان.
ينبثق المشهد الفنّي من ذلك الحجر مباشرةً. الخزف أقدم حِرَف المدينة وأكثرها حياةً، وثمة عددٌ من الورش العاملة يرحّب بالزوّار لا ليتفرّجوا بل ليشاركوا. ادخل إحداها، فقد تجد في يدك فرشاة رسم أو تجد أصابعك مبلّلةً بالطين، يرشدك صانعٌ محليّ تعلّم الحرفة عن الجيل الذي سبقه. لا افتعال في الأمر ولا روتين سياحيّ مصقول. تصنع شيئاً بشكل رديء، ثم بشكل أقل رداءةً قليلاً، فتغادر وهو ملفوفٌ بورق الجرائد، وقد ظفرت بإحساسٍ بالمكان أعمق مما يمنحه أيّ متحف.
والرسم متجذّرٌ بالقدر نفسه. اجتذبت غيومري منذ زمن بعيد الفنّانين من أنحاء أرمينيا وما وراءها، جزئياً من أجل ضوئها الذي يسقط صافياً بارداً على الهضبة، وجزئياً من أجل إيجاراتها المنخفضة التي جعلتها ملاذاً للشباب وأهل التجريب قبل أن يغدو ذلك رائجاً في أماكن أخرى بزمن طويل. والنتيجة مدينةٌ تتجاور فيها ورشة حِرفية تقليدية مع مرسمٍ معاصر جريء على الشارع ذاته، يتجاوران في انسجام غير معلن.
وبين ورشة وأخرى، يكفي أن تمشي على مهلك لتكتشف المدينة. توقّف عند أحد المقاهي العتيقة حول ساحة فارتانانتس، حيث الحديث صاخب والكرم لا يهدأ. اطلب أكثر مما تظنّ أنك قادر على تناوله، فستُحَثّ على ذلك، وجرّب الأجبان المحلية والخبز المسحوب ساخناً من فرن التنور. مائدة غيومري سخيّةٌ على نحوٍ سيبدو مألوفاً على الفور لكل قادمٍ من الخليج، حيث يُكرَّم الضيف لا يُخدَم وحسب.
ومع كل هذا التاريخ، فالمدينة ليست قطعةً متحفية. تُفتَح صالات عرضٍ جديدة، وتغصّ الساحات بالمهرجانات في الصيف، وثمة جيلٌ أصغر يصنع أعمالاً تجادل الماضي بدل أن تكتفي بحفظه. هذا التوتر، بين تقليدٍ ضارب الجذور وإعادة ابتكارٍ لا تهدأ، هو ما يجعل غيومري آسرةً إلى هذا الحدّ في هذه اللحظة بالذات.
والوصول إليها لم يكن يوماً أيسر مما هو الآن. تربط رحلاتٌ مباشرة بين مدن الخليج ويريفان في نحو ثلاث ساعات، ومن هناك يمتدّ الطريق شمالاً إلى غيومري عبر بعضٍ من أجمل مناظر البلاد. هواء الهضبة الصيفيّ نقيٌّ جاف، وأبرد بكثير من الخليج في أشدّ أيامه حرارةً، والترحيب دافئٌ قبل أن تنطق بكلمة.
تمنحك يريفان المشاهد الكبرى. أما غيومري فتمنحك شيئاً أعمق، وأبقى في نهاية المطاف: مدينةً تحيل الصخر البركانيّ إلى جمال، وتعامل كل زائرٍ كأنه واحدٌ من أهلها.

