مع اقتراب عام 2026، تدخل الدول الخليجية المنتجة للنفط مرحلة جديدة من إعادة التوازن الاقتصادي. فبينما تشير التوقعات إلى “تخمة” في المعروض العالمي من الخام، تتبنى دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، استراتيجيات مرنة توازن بين حماية حصتها السوقية وتسريع وتيرة التنويع الاقتصادي عبر الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
توقعات أسعار النفط لعام 2026: برنت يقترب من حاجز 60 دولاراً
تجمع التقارير الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) وجولدمان ساكس في ديسمبر 2025 على أن عام 2026 سيشهد ضغوطاً هبوطية على الأسعار نتيجة فائض المعروض:
- سعر برنت المستهدف: يتوقع المحللون أن يتراوح متوسط سعر خام برنت حول 60 دولاراً للبرميل، مع احتمالية الهبوط إلى مستوى 55 دولاراً في الربع الأول من 2026.
- عوامل الوفرة: يعود هذا الفائض إلى الإنتاج القياسي من الدول خارج تحالف “أوبك+” (مثل الولايات المتحدة والبرازيل وغيانا)، مقابل نمو معتدل في الطلب العالمي.
“علاوة السلام”: مفاوضات أوكرانيا وانعكاساتها على معنويات السوق
يبرز احتمال التوصل إلى تسوية للصراع في أوروبا الشرقية كعامل حاسم في معادلة الطاقة لعام 2026. ووفقاً للتقارير الأخيرة التي أوردتها صحيفة “جلف توداي” (Gulf Today)، بدأت أسعار النفط بالفعل في التأثر بالتحولات الدبلوماسية الجارية.
- محادثات زيلينسكي وترامب: أثارت المناقشات حول إطار عمل للسلام مكون من 20 نقطة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب آمالاً قوية في إمكانية التوصل إلى وقف لإطلاق النار قبل نهاية العام الحالي.
- التأثير على الإمدادات: يسود القلق بين المستثمرين من أن نجاح اتفاق السلام قد يمهد الطريق لرفع العقوبات الدولية المفروضة على قطاع النفط الروسي. هذا السيناريو قد يؤدي إلى عودة كميات ضخمة من الخام الروسي إلى السوق العالمي، مما يفاقم حالة “تخمة المعروض” المتوقعة في 2026.
- تلاشي “علاوة المخاطر”: بينما تساهم النزاعات عادة في رفع الأسعار، فإن احتمالات السلام الحالية تعمل كإشارة “هبوطية” (Bearish)، حيث تفرغ الأسعار من “علاوة المخاطر الجيوسياسية” التي دعمت مستوياتها طوال عامي 2024 و2025.
تحول استراتيجية أوبك+: من “دعم السعر” إلى “حماية الحصة”
يمثل عام 2026 نقطة تحول لسياسة أوبك+. فبعد سنوات من خفض الإنتاج لدعم الأسعار، تشير التوجهات الجديدة إلى:
- زيادة الإنتاج التدريجية: اتفقت دول مثل السعودية والإمارات والكويت على العودة التدريجية لرفع مستويات الإنتاج لتعويض انخفاض الأسعار من خلال زيادة حجم الصادرات.
- الريادة الإنتاجية: ستقود السعودية الإنتاج بمستويات تقترب من 10.2 مليون برميل يومياً، تليها الإمارات والكويت، مما يعزز دور دول الخليج كمزود رئيسي للطاقة عالمياً رغم تقلبات الأسعار.
النمو الاقتصادي الخليجي: مرونة القطاعات غير النفطية
رغم تحديات أسعار النفط، من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج بنسبة 4.4% في عام 2026، مدفوعاً بـ:
- اقتصاد الذكاء الاصطناعي: يُعد عام 2026 “عام التنفيذ” لمشاريع مراكز البيانات والسيادة الرقمية في الإمارات والسعودية، مما سيخلق تدفقات نقدية جديدة بعيدة عن النفط.
- الاستهلاك المحلي القوي: بفضل انخفاض معدلات التضخم (أقل من 2%) وتوقعات خفض أسعار الفائدة المرتبطة بالدولار، سيزدهر القطاع الخاص والإنفاق الاستهلاكي.
- قطاع الغاز: ستشهد قطر طفرة استثنائية في نمو ناتجها المحلي (قد تصل إلى 6.5%) بفضل توسعة حقل الشمال وزيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال.
الميزانيات العامة: تفاوت في العجز والفائض
ستتعامل الدول الخليجية مع مستويات الأسعار الجديدة (تحت 70 دولاراً) بطرق مختلفة:
- السعودية: تتوقع ميزانية 2026 عجزاً مقدراً بـ 165.4 مليار ريال، وهو “عجز استراتيجي” مقصود لتمويل مشاريع رؤية 2030 لضمان استمرارية التحول الهيكلي.
- الإمارات وقطر: تمتلكان هوامش أمان مالية أوسع تتيح لهما تحقيق فوائض أو توازن مالي بفضل الاستثمارات السيادية القوية ونمو القطاع اللوجستي والسياحي.

