بقلم: ليو ليفيت، رئيس مجلس إدارة ONVIF
في ظل استمرار الأوضاع الجيوسياسية في تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية، تتعرض مرونة البنية التحتية الحضرية في مختلف أنحاء منطقة الخليج لاختبارات جديدة ومتزايدة. ولم يعد هذا الأمر بالنسبة للمدن الذكية سريعة التطور في المنطقة، مجرد احتمال نظري، بل أصبح تحدياً تصميمياً يجب التعامل معه منذ المراحل الأولى.

وتشهد مدن دولة الإمارات العربية المتحدة ومنطقة الخليج بشكل أوسع إعادة تصور شاملة بوتيرة غير مسبوقة. وتبدو الطموحات واضحة لا لبس فيها، بدءاً من المشاريع الضخمة في أبوظبي ودبي إلى مبادرات المدن الذكية الناشئة في المملكة العربية السعودية وخارجها. فهذه المشاريع لا تقتصر على التوسع العمراني فحسب، بل تمثل استثمارات طويلة الأمد في بيئات مترابطة رقمياً، وقادرة على الصمود، ومهيأة للمستقبل. وفي هذا السياق، لم تعد أنظمة السلامة العامة مجرد مكونات مستقلة، بل أصبحت ركيزة أساسية في كيفية عمل المدن الذكية.

المدن الذكية تتطلب أسساً أمنية مدمجة ومتكاملة
تعتمد المدن الحديثة على شبكة واسعة من الأنظمة المترابطة، بدءاً من النقل والمرافق وصولاً إلى مراقبة البيئة والخدمات الرقمية. وتتموضع البنية التحتية للسلامة العامة في قلب هذه المنظومة، حيث أنها تتيح رؤية لحظية، واستجابة منسقة، وحماية للأفراد والأصول.

وبدأت ملامح هذا النهج في دولة الإمارات تتضح بالفعل. إذ تسهم أنظمة المراقبة الذكية، وإدارة المرور الذكية، ومراكز القيادة المتكاملة في تمكين الجهات المختصة من مراقبة البيئات الحضرية بكفاءة أكبر والاستجابة للحوادث بسرعة ودقة أعلى. ولا تقتصر هذه القدرات على تحسين نتائج السلامة فحسب، بل تدعم أيضاً أهدافاً أوسع تتعلق بالكفاءة والاستدامة وجودة الحياة. ومع ذلك، فإن فعالية هذه الأنظمة تعتمد بشكل كبير على كيفية تصميمها ودمجها منذ البداية.

مخاطر الأنظمة المجزأة في عالم مترابط
ومع ازدياد تعقيد المدن، تصبح المخاطر المرتبطة بالأنظمة المجزأة أو المغلقة أكثر وضوحاً. فعندما يتم نشر البنية التحتية الأمنية بشكل منفصل أو بناؤها على تقنيات مغلقة، فإن ذلك يحد من القدرة على تبادل البيانات، وتنسيق الاستجابات، والتكيف مع المتطلبات الجديدة.
وقد لا تكون هذه القيود ملحوظة في البيئات المستقرة، إلا أنها قد تتحول بسرعة إلى نقاط ضعف حرجة في الظروف الديناميكية أو غير المستقرة. وقد أظهرت التطورات الأخيرة في المنطقة مدى سرعة تغير ظروف التشغيل. وهذا يعزز حاجة مشغلي المدن ومخططيها إلى أنظمة قادرة على التطور والتكامل والاستجابة دون الحاجة إلى عمليات تحديث مكلفة أو معقدة.
ولا تقتصر آثار تجزئة الأنظمة على انخفاض الكفاءة التشغيلية، بل تمتد لتشمل مخاطر مالية واستراتيجية طويلة الأمد. فالأنظمة التي يصعب دمجها مع التقنيات الجديدة غالباً ما تتطلب استبدالاً كاملاً أو تعديلات معقدة، ما يزيد من تكاليف دورة الحياة ويحد من قابلية التوسع.
المعايير المفتوحة كعامل تمكين استراتيجي
وهنا تبرز أهمية المعايير المفتوحة. فمن خلال تمكين التشغيل البيني بين مختلف الموردين، توفر هذه المعايير أساساً مرناً يتيح للمدن دمج التقنيات الجديدة عند ظهورها، مع تجنب الاعتماد على مزود واحد.
وبدلاً من حصر المدن ضمن مزود أو بنية تقنية واحدة، تتيح المعايير المفتوحة نهجاً أكثر مرونة وقابلية للتكيف. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في منطقة تشهد تطوراً سريعاً، يتم فيها إدخال تقنيات جديدة باستمرار، بدءاً من التحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي وصولاً إلى أجهزة الاستشعار المتقدمة.
كما أن المعايير المفتوحة تدعم تعزيز التعاون بين مختلف الأطراف المعنية، إذ يمكن لأنظمة الأمن أن تتكامل بشكل أكثر فاعلية مع شبكات النقل وخدمات الطوارئ ومنصات إدارة المدن، مما يتيح نهجاً أكثر تنسيقاً وذكاءً في مجال السلامة العامة.
التصميم من أجل المرونة لا الكفاءة فقط
هذا ولطالما استندت العديد من قرارات البنية التحتية إلى اعتبارات التكلفة والوظائف الفورية. ورغم استمرار أهمية هذه العوامل، فإن البيئة الحالية تدفع نحو إعادة ترتيب الأولويات باتجاه المرونة والقيمة طويلة الأمد.
وأصبح من الضروري تصميم أنظمة السلامة العامة بحيث لا تعمل بكفاءة في الظروف الطبيعية فحسب، بل تكون قادرة أيضاً على التكيف تحت الضغط. ويشمل ذلك القدرة على دمج مصادر بيانات جديدة، ومواكبة التهديدات المتغيرة، وضمان استمرارية العمل حتى في ظل اضطراب الظروف الخارجية.
وبالنسبة للمطورين ومخططي المدن، يتطلب ذلك تحولاً في طريقة التفكير. إذ لا ينبغي التعامل مع البنية التحتية الأمنية كعنصر منفصل أو إضافة لاحقة، بل يجب دمجها في تصميم المدن الذكية منذ البداية، مع اعتبار قابلية التشغيل البيني وقابلية التوسع مبادئ أساسية في تلك الأنظمة.
تلبية التوقعات المتزايدة في منظومة المدن الذكية
وجدير بالذكر أن توقعات البيئات الحضرية تشهد تحولاً متسارعاً، حيث يتطلع السكان والشركات والمستثمرون إلى مدن توفر تجارب آمنة وسلسة ومدعومة رقمياً. وبالنسبة للشركات العاملة في هذه المدن، لا سيما في قطاعات مثل التمويل والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، تمثل موثوقية البنية التحتية وقابليتها للتكيف عوامل حاسمة.
وتتمتع المدن القادرة على إظهار أنظمة قوية ومتكاملة ومهيأة للمستقبل بفرص أكبر في جذب الاستثمارات ودعم النمو الاقتصادي طويل الأمد. ومن هذا المنطلق، لا تقتصر السلامة العامة على كونها متطلباً أمنياً فحسب، بل تصبح أيضاً عاملاً تنافسياً مهماً.
بناء الجيل القادم من مدن الخليج
لقد رسخت منطقة الخليج مكانتها بالفعل كواحدة من أبرز الجهات العالمية الرائدة في تطوير المدن الذكية. وستعتمد المرحلة المقبلة من هذا التطور على مدى قدرة هذه المدن على دمج بنيتها التحتية الرقمية وتوسيع نطاقها بفعالية. وتوفر المعايير المفتوحة مساراً عملياً لتحقيق ذلك، إذ تسهم في تعزيز التشغيل البيني، وتقليل التعقيد، ودعم القدرة على التكيف على المدى الطويل، بما يضمن استمرار جدوى الاستثمارات الحالية في المستقبل.
ومع استمرار المنطقة في التعامل مع بيئة تشغيلية أكثر تعقيداً، ستزداد أهمية بناء مدن ليست ذكية فحسب، بل قادرة أيضاً على الصمود. وستلعب البنية التحتية للسلامة العامة، المدعومة بالمعايير المفتوحة، دوراً محورياً في هذا التحول. أما المدن التي ستنجح في هذا السباق، فهي تلك التي يتم تصميمها ليس فقط لتحقيق الكفاءة، بل لضمان الاستمرارية، والقدرة على التكيف، والمرونة طويلة الأمد في عالم يزداد تقلباً.

