دبي – خاص
من تناول الطعام على ضفاف بحيرة سيفان والإبحار في مياهها، وصولاً إلى الفنون التي تعود للعصور الوسطى وتذوق خبز “الجاتا” الطازج في ديليجان؛ اكتشف جانباً آخر من أرمينيا خلال عطلة نهاية الأسبوع. بفضل رحلة جوية قصيرة من دول مجلس التعاون الخليجي، يمكن للمسافرين الانتقال من أفق المدن الخليجية الحديثة إلى المناظر الطبيعية الجبلية في أرمينيا، حيث تمتزج المأكولات التقليدية والحرف اليدوية العريقة والفن المعاصر، لتشكل وجهة مثالية لقضاء عطلة قصيرة تمتد ليومين أو ثلاثة أيام. تبدأ الرحلة عادةً من العاصمة يريفان، حيث يمكنك الاستمتاع بخبز “اللافاش” الساخن المخبوز في أفران “التونير” التقليدية، أو التجول لمشاهدة المنحوتات الضخمة للفنان فرناندو بوتيرو في مجمع “كاسكيد” (Cascade).
لكن إذا قررت الابتعاد قليلاً عن العاصمة، فستنتظرك تجربة مختلفة تماماً؛ إذ يمكنك زيارة بحيرة سيفان، وغابات ديليجان، ودير “هاغارتسين” الذي يعود تاريخه إلى العصور الوسطى، وكلها وجهات يسهل الوصول إليها ضمن برنامج رحلة نهاية الأسبوع. ولعشاق الطعام والفن، تزخر الطريق بالعديد من المحطات التي تستحق التوقف. لنبدأ ببحيرة سيفان. بمجرد مغادرة يريفان، تتسع المناظر الطبيعية لتكشف عن واحدة من أكبر بحيرات المياه العذبة المرتفعة في المنطقة. تمتد مياه البحيرة نحو الجبال المحيطة، وتتدرج ألوانها من الفيروزي الفاتح إلى درجات أعمق من الأزرق مع انعكاس الضوء على سطحها. وللزوار الباحثين عن تجربة تتجاوز مجرد الاستمتاع بالمناظر الطبيعية، يوفر الإبحار في بحيرة سيفان فرصة رائعة لتغيير وتيرة الرحلة. فبينما تطفو وسط المياه وتلوح المنحدرات الجبلية في الأفق، ستنسى بسهولة أن العاصمة لا تبعد عنك سوى مسافة قصيرة بالسيارة. كما تُعد البحيرة مكاناً مثالياً لمن لديهم شغف بالفن؛ إذ يمكنك إحضار لوحة رسم صغيرة أو دفتر اسكتشات أو مجموعة ألوان مائية، والجلوس على الشاطئ لتصوير المشهد. سواء كان ذلك قارباً يعبر المياه، أو تباين زرقة البحيرة مع الجبال، أو تغير إضاءة الشمس في فترة ما بعد الظهر، ستجد كل الإلهام الذي تحتاجه.

وعندما تشعر بالجوع، يمكنك التوجه إلى مطعم “ياسامان سيفان” (Yasaman Sevan) في قرية تسوفاغيوغ (Tsovagyugh)، حيث يمكنك الاستمتاع بوجبة الغداء في أجواء ساحرة على ضفاف البحيرة. لطالما كان السمك جزءاً أصيلاً من الهوية الغذائية لمنطقة سيفان، ويُعد سمك السلمون المرقط (التراوت) من أشهر الأطباق المحلية.
وإلى جانب الخبز الأرميني والخضروات والأطباق الإقليمية الأخرى، تضفي الوجبة التي تتناولها مع إطلالة على مياه البحيرة نكهةً مميزةً لا تُنسى على رحلتك. من سيفان، تابع طريقك نحو ديليجان، حيث يتغير المشهد تدريجياً من إطلالات البحيرة المفتوحة إلى غابات كثيفة وطرق جبلية متعرجة. وفي قلب هذه الغابات يقع دير “هاغارتسين” (Haghartsin)
؛ وهو نموذج مذهل للعمارة الأرمينية في العصور الوسطى. هنا، تروي الحجارة المنحوتة بدقة و”الخاتشكار” (khachkars) – وهي صلبان حجرية تقليدية – قصصاً عن الإيمان، وبراعة الحرفيين، والتقاليد الفنية التي صمدت لقرون. ولمحبي الاستكشاف سيراً على الأقدام، ينطلق مسار غابي من الدير باتجاه شلال خفي، مما يتيح فرصة إضافية للاستمتاع بجمال الطبيعة في هذه المنطقة. لكن لا تكتمل زيارة “هاغارتسين” دون تذوق شيء حلو المذاق. إنها حلوى “الجاتا” (gata) الأرمينية الطازجة.
في المخبز المجاور للدير، تُحضر هذه المعجنات التقليدية وفق وصفات تعد جزءاً أصيلاً من التراث الطهوي الأرميني. تتميز “الجاتا” بقشرة ذهبية تخفي بداخلها حشوة غنية وحلوة، وتصبح ألذّ وأكثر إمتاعاً عند تناولها دافئة بعد جولة في الغابة. ثمة تجربة لا تُنسى في الاستمتاع بـ “الجاتا” الطازجة، بينما تقف بالقرب من جدران الدير الحجرية العتيقة، وتستنشق عبير الغابة المحيطة. بدءاً من التفاصيل المنحوتة بعناية في “هاغارتسين” وصولاً إلى المتعة البسيطة التي يمنحها الطعام المُعدّ يدوياً، يتجلى بوضوح ذلك الرابط الوثيق بين التقاليد الفنية والطهوية في أرمينيا.
ومع العودة إلى يريفان في المساء، تدرك أن عطلة نهاية الأسبوع هذه كانت أكثر بكثير من مجرد رحلة تقليدية في المدينة. لقد كانت رحلة تضمنت منحوتات مهيبة، وجبالاً تنعكس صورتها على مياه بحيرة سيفان، ومعالم معمارية أرمينية تعود لقرون مضت، وربما لوحة صغيرة لمشهد طبيعي تستحق أن تُعلّق على جدار في منزلك. كما تضمنت أيضاً خبز “اللافاش” (lavash) الساخن، ووجبة غداء على ضفاف البحيرة، وحلوى “الجاتا” الخارجة للتو من الفرن. بالنسبة للمسافرين الباحثين عن عطلة نهاية أسبوع تجمع بين الطعام والفن ومتعة الاكتشاف الحقيقية، تقدم أرمينيا ما يفوق بكثير ما قد يوحي به قربها الجغرافي من دول مجلس التعاون الخليجي.

