ربيع صعب، مستشار استراتيجي في الاتصال المؤسّسي والعلاقات العامّة

للمعارض لغة أرقام يعرفها الجميع: عدد الزوار، وعدد العارضين، والاجتماعات التي عُقدت، والصفقات التي أُبرمت. ولا خلاف على أهميّة هذه المؤشرات؛ فهي ضروريّة لفهم حجم الحدث ونتائجه. المشكلة تبدأ فقط عندما نتعامل معها وكأنها القصّة كاملة.
قد يكون المعرض مزدحماً طوال ثلاثة أيام، ثم ينتهي كل شيء تقريباً مع تفكيك الأجنحة. وهنا يصبح السؤال الأهم: ماذا خرج من القاعة إلى خارجها؟ ما الخبر الذي واصل طريقه؟ من سمع بالإعلان ولم يكن حاضراً؟ وأي نقاش بدأ في المعرض واستمر بعد إغلاق أبوابه؟

من هذه الزاوية، لا يعود الإعلام مجرّد خدمة تكميليّة تُضاف في نهاية الحدث، بل يصبح جزءاً من القيمة التي يستطيع المعرض أن يصنعها ويتركها وراءه.
حجم صناعة فعاليات الأعمال وحده يكفي لشرح الفرصة. فبحسب دراسة “الأهمية الاقتصادية العالمية لفعاليات الأعمال 2026” الصادرة عن مجلس صناعة الفعاليات، استقطبت فعاليات الأعمال حول العالم نحو 1.65 مليار مشارك خلال 2025، وولّدت 1.3 تريليون دولار أميركي من الإنفاق المباشر، فيما بلغت مساهمتها الإجماليّة في الناتج المحلّي العالمي 1.8 تريليون دولار عند احتساب الآثار المباشرة وغير المباشرة والمحفَّزة.

لكن الأرقام الكبيرة لا تعني بالضرورة أن الأثر وصل بعيداً. ففي معرض تجاري واحد قد تُعلن شراكة مهمّة، أو تدخل شركة سوقاً جديدة، أو يكشف مستثمر عن توجه جديد، أو تطرح جهّة حكوميّة أولويّة اقتصاديّة، أو يقدّم مسؤول تنفيذي رؤية تستحق النقاش. كل ذلك يحدث في مساحة واحدة وخلال وقت قصير.
وإذا لم تكن هناك قصّة إعلاميّة واضحة، يبقى كثير من هذا المحتوى داخل المكان نفسه. يسمع الإعلان من حضر الجلسة. تبقى المعلومة داخل اجتماع مغلق. ويشاهد المنتج الجديد من مرّ أمام الجناح. ثم ينتهي الحدث ويضيع معه جزء كبير من القيمة التي كان يمكن أن تصل إلى جمهور أوسع.

هنا تظهر وظيفة الإعلام الحقيقيّة. مقابلة تلفزيونيّة جيّدة قد تنقل رأي مسؤول تنفيذي إلى جمهور لم يزر المعرض أصلاً. قصّة اقتصاديّة متماسكة قد تصل إلى مستثمر أو عميل أو صانع قرار في سوق أخرى. وتعليق متخصّص في التوقيت المناسب قد يضع الشركة داخل نقاش مهني أوسع من حدود جناحها.
لكن المسألة ليست في ملاحقة التغطية لمجرّد إضافة قصاصة جديدة إلى التقرير الإعلامي. الصحفي لا يهتم بأن شركة ما حجزت جناحاً أو حضرت معرضاً. ما يهمه هو وجود قصّة: تصريح فعلي، رقم جديد، توجه في السوق، رأي واضح، أو خبرة تضيف شيئاً إلى القارئ وإلى النقاش الدائر في القطاع.
ولهذا لا يبدأ العمل الإعلامي الجيّد صباح افتتاح المعرض. يبدأ قبل ذلك بوقت كافٍ. ما الذي سنقوله؟ لماذا يهم الآن؟ من هو المتحدّث الأنسب؟ ما الزاوية التي تستحق النشر؟ وما الذي يمكن أن نقدمه للصحفي غير الحديث التقليدي عن أنفسنا؟
خلال أيام المعرض، قد تكون الإجابة مقابلة تلفزيونيّة أو إذاعيّة، أو لقاءً مع صحيفة، أو تعليقاً سريعاً على خبر، أو جلسة إعلاميّة، أو مقال رأي، أو قصّة مرتبطة بتطوّر يحدث في السوق. ليست كثرة الأدوات هي المهمّة، بل قوّة المادّة نفسها. فإذا لم توجد قصّة حقيقيّة، فلن يصنعها المزيد من المحتوى.
وبالمثل، لا يفترض أن ينتهي التواصل الإعلامي بانتهاء المعرض. أحياناً تبدأ أفضل القصص من إعلان أو نقاش أو شراكة حدثت على أرضه. ويمكن لمقابلة لاحقة، أو تحليل للسوق، أو مقال رأي، أو متابعة أعمق لاتفاق جديد أن تمنح الموضوع عمراً أطول بكثير من أيام الحدث الثلاثة.
بالنسبة إلى الشركات التي تخصّص ميزانيات كبيرة للمشاركة في المعارض، هذا ليس تفصيلاً. من الطبيعي أن تبحث عن عائد يتجاوز حركة الزوّار أمام الجناح. وينطبق الأمر كذلك على المدن المستضيفة. ففي دبي وأبوظبي، على سبيل المثال، ترتبط المعارض الكبرى بمنظومة أوسع من التجارة والاستثمار والابتكار وبناء الحضور الدولي، والإعلام هو أحد أهم الطرق التي تنقل هذه الصورة إلى الخارج.
ربما نحتاج، إذاً، إلى سؤال إضافي عندما نقيس نجاح أي معرض: ليس فقط كم شخصاً حضر، ولا فقط ماذا تم توقيعه، بل ماذا بقي من أثر بعد انتهاء الحدث؟
عدد الزوار مهم، والنتائج التجاريّة هي الأساس، لكن الأثر الإعلامي يكشف إلى أي مدى استطاع الحدث أن يتجاوز جدران القاعة. وفي كثير من الأحيان، هذا هو الفارق بين معرض ناجح لثلاثة أيام وقصّة تستمر في العمل بعد عودة الجميع إلى مكاتبهم.

