يشهد العالم تحولاً جذرياً في في أولويات الاستثمار في مختلف القطاعات ويبدو أنه بدأ بالانتقال من التركيز على العائد والتكلفة إلى التركيز على المرونة والجاهزية للمستقبل. ولكن كيف ينعكس هذا التحول على واقع الاستثمار في المنطقة ؟ حول هذا المفهوم يتحدث
مروان صالح العجلة مدير إدارة ترويج ودعم الاستثمار في مكتب الشارقة للاستثمار الأجنبي المباشر
موضحاً أن” القرارات الاستثمارية اليوم تُتخذ في عالم مختلف عن السابق. فالمستثمر لم يعد ينظر فقط إلى حجم العائد أو تكلفة الإنتاج، وإنما يسأل سؤالاً أوسع: هل يستطيع هذا السوق أن يحافظ على قدرته على النمو، وأن يتكيف مع المتغيرات، وأن يظل قادراً على خلق القيمة على المدى الطويل؟
ومن هنا جاء التحول في نهجنا في الشارقة. نحن لا ننظر إلى الاستثمار من منظور حجمه فقط، بل من منظور ما يمكن أن يضيفه إلى اقتصاد الإمارة، ومدى قدرته على دعم التنويع، ورفع الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، وخلق فرص جديدة للنمو.
ولهذا، بنينا خلال السنوات الماضية منظومة متكاملة تتيح للمستثمر أن يجد في الشارقة أكثر من مجرد بيئة مناسبة لتأسيس مشروعه. لدينا أكثر من 21 منطقة صناعية، و7 مناطق حرة، و3 موانئ، إلى جانب بنية تحتية متطورة وبيئة أعمال مستقرة وحوافز تنافسية.
لكن الأهم هو أن هذه المنظومة تتطور مع احتياجات الاقتصاد العالمي. فعندما نتحدث اليوم عن مرونة الاستثمار، فإن سلاسل الإمداد والقدرة على الوصول إلى الأسواق أصبحت جزءاً أساسياً من القرار الاستثماري. ولذلك نرى في توسعة ميناء خورفكان إلى 10 ملايين حاوية، والخطوط التجارية مع الصين، وتطوير مجمع الذيد اللوجستي مع عُمان، خطوات عملية لتعزيز قدرتنا على الوصول إلى الأسواق، ودعم سلاسل الإمداد، وتهيئة البنية التي يحتاجها المستثمر للنمو والتوسع.
وهذا بالنسبة لنا هو جوهر المرونة: ألا ننتظر التغيرات حتى تحدث، بل أن نستعد لها مسبقاً، ونستثمر اليوم في المقومات التي ستمنح اقتصاد الشارقة القدرة على النمو والتكيف في المستقبل.
مع توجه الاستثمارات العالمية بشكل متزايد نحو الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والخدمات اللوجستية، والطاقة النظيفة، ورأس المال البشري، أين ترى الشارقة أكبر فرص النمو خلال السنوات المقبلة؟
إذا نظرنا إلى اتجاهات الاستثمار العالمية اليوم، نرى أن الفرص الأكبر تتجه نحو القطاعات التي تجمع بين التكنولوجيا والإنتاجية والاستدامة. وهنا تبرز مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الرقمية، والتصنيع المتقدم، والخدمات اللوجستية، والبحث والتطوير، باعتبارها قطاعات ستلعب دوراً أساسياً في تشكيل اقتصادات المستقبل.
والشارقة بدأت بالفعل في بناء قاعدة قوية في هذا المجال. واليوم، تضم منطقة الشارقة للنشر أكثر من 1,000 شركة متخصصة أو مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تشمل شركات تعمل في البحث والابتكار والاستشارات، وتدريب النماذج، وتطوير الحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذكية والروبوتات، كما يضم مجمع الشارقة للبحوث والتكنولوجيا والابتكار منظومة متكاملة للابتكار، أكثر من 8500 شركة تعمل في مجالات الابتكار والتكنولوجيا.
لكن الفرصة بالنسبة لنا لا تكمن في قطاع واحد. عندما تجتمع التكنولوجيا مع التصنيع، وتدعمها الخدمات اللوجستية والبنية التحتية، وتتكامل معها منظومة البحث والتطوير والمواهب، تبدأ فرص جديدة بالظهور. وهذا هو الاتجاه الذي نريد أن نبني عليه في المرحلة المقبلة: استقطاب استثمارات لا تواكب التحولات العالمية فحسب، بل تسهم في صناعتها، وتخلق وظائف نوعية، وتبني قدرات جديدة، وتربط الشركات من الشارقة بالأسواق الإقليمية والعالمية.
مع توجه الاستثمارات العالمية بشكل متزايد نحو الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والخدمات اللوجستية، والطاقة النظيفة، ورأس المال البشري، أين ترى الشارقة أكبر فرص النمو خلال السنوات المقبلة؟
تمثل “قمة AIM للاستثمار” واحدة من أهم المنصات التي تجمع المستثمرين وصنّاع القرار وقادة الأعمال من مختلف الأسواق في مكان واحد. وهذا العام، مع مشاركة أكثر من 25 ألف شخص يمثلون 191 دولة، إلى جانب أكثر من 540 متحدثاً وأكثر من 103 جلسات حوارية، أصبحت القمة مساحة مهمة لفهم أين تتجه الاستثمارات العالمية، وأين تكمن فرص النمو الجديدة.
ومن هذا المنطلق، كانت مشاركتنا في AIM فرصة لنقدم الشارقة ليس فقط كوجهة استثمارية، وإنما كمنظومة متكاملة تساعد المستثمر على تأسيس أعماله، وتطويرها، والوصول منها إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
ولهذا جمعنا تحت مظلة جناح الشارقة ثماني جهات رئيسية، لكل منها دور في هذه المنظومة، من الاستثمار والابتكار ودعم الأعمال، إلى التخطيط والوصول إلى الأسواق والاستدامة. وعندما تجتمع هذه الجهات في مكان واحد، فإنها تعكس للمستثمر الصورة الكاملة لما يمكن أن تقدمه الشارقة، وكيف يمكن أن ينتقل المشروع من فكرة إلى تأسيس، ثم إلى نمو وتوسع.
وبالنسبة لنا، لا تقتصر قيمة AIM على عرض الفرص الاستثمارية. الأهم هو ما يحدث من لقاءات وحوارات مباشرة مع المستثمرين وقادة الأعمال وصنّاع القرار. نريد أن نفهم احتياجاتهم، وأن نكتشف مجالات جديدة للتعاون، وأن نحول هذه العلاقات إلى شراكات واستثمارات تخلق قيمة حقيقية وتدعم النمو طويل الأجل في الشارقة.
وهذا هو ما نطمح إلى تحقيقه من حضورنا في القمة: أن نفتح أبواباً جديدة للشراكات، وأن نربط المستثمر بالمنظومة التي يحتاجها للنمو، وأن نُعرّف مجتمع الاستثمار العالمي بالفرص التي تتشكل في الشارقة اليوم.
نحن على بُعد شهر تقريباً من منتدى الشارقة للاستثمار 2026، وفي وقت يشهد فيه الاستثمار العالمي تغيرات متسارعة. ما الذي تريدون أن يخرج به المستثمرون وقادة الأعمال من دورة هذا العام، وما الفرص التي تسعون إلى فتحها من خلال هذه الحوارات؟
بالنسبة لنا، “بناء اقتصادات مرنة” لا يعني فقط أن يكون الاقتصاد قادراً على تجاوز الأزمات، وإنما أن يكون مستعداً للتغير قبل حدوثه، وقادراً على التكيف معه وتحويله إلى فرص جديدة للنمو.
ونحن نعيش اليوم مرحلة تتغير فيها قواعد الاستثمار والأعمال بشكل متسارع. التطورات الجيوسياسية تعيد رسم سلاسل الإمداد، والتكنولوجيا تعيد تشكيل القطاعات، والذكاء الاصطناعي يفتح مجالات جديدة بالكامل. ومع كل هذا، تتغير أيضاً الطريقة التي ينظر بها المستثمر إلى السوق والفرصة الاستثمارية.
ومن هنا تأتي أهمية منتدى الشارقة للاستثمار هذا العام. نريد أن ننتقل من السؤال التقليدي: كيف نستقطب المزيد من الاستثمارات؟ إلى سؤال أكثر أهمية على المدى الطويل: كيف نوجه الاستثمار نحو القطاعات والقدرات التي ستقود اقتصاداتنا خلال العقود المقبلة؟
ولهذا سيجمع المنتدى المستثمرين وقادة الأعمال وصنّاع القرار والخبراء من مختلف الأسواق، ليس فقط للحديث عن التحديات، وإنما للبحث في الحلول والفرص التي يمكن أن تنشأ منها. وسنتناول ملفات مثل التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتنمية الصناعية، وتنمية المواهب، وريادة الأعمال، والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
نريد أن يكون المنتدى نقطة انطلاق لحوار يتحول إلى عمل؛ إلى سياسات أفضل، وشراكات جديدة، واستثمارات تخلق قيمة حقيقية ومستدامة. فبناء اقتصاد أكثر مرونة يبدأ من قدرتنا على قراءة التغيرات مبكراً، والاستثمار في الفرص التي تتيحها، وتهيئة البيئة التي تمكّن اقتصاداتنا من مواصلة النمو مهما تغيرت الظروف.

