الشيخة هند بنت ماجد القاسمي –
رئيسة مجلس سيدات أعمال الشارقة
في كل عام، حين تحين مناسبة اليوم العالمي لريادة الأعمال، تتجه الأقلام نحو تناول القضايا ذاتها المتعلقة بالطموح والشغف لدى أصحاب المشاريع، وكأن قطاع الريادة ما زال في مرحلة الاستكشاف والتعريف بالذات. لكن الحقيقة الميدانية التي نلمسها يومياً تشير إلى عكس ذلك تماماً؛ فجيلنا الحالي من رائدات ورواد الأعمال لا يعاني نقصاً في المعرفة ولا ضعفاً في الرؤية، بل يمتلك استيعاباً استثنائياً لمتغيرات الاقتصاد الرقمي وآليات الابتكار الحديثة. إننا أمام جيل يملك الرصيد المعرفي الكافي، مما يجعل السؤال الملحّ اليوم ليس “ماذا يملك أصحاب المشاريع من رؤى؟”، بل “كيف يترجمون هذه الرؤى إلى تطوير حقيقي وقيمة اقتصادية ملموسة؟”.

إن المعضلة الحقيقية في هذا العصر، لم تعد تكمن في قدرة الرواد على قراءة السوق أو دراسة سلوك المستهلكين، فمعظمهم يملك أدوات التحليل ويستفيد من المنصات الرقمية لبناء نماذج عمل ذكية. لكن العقدة الحقيقية تظهر لحظة اتخاذ قرار التوسع؛ حيث يتدخل ‘الخوف من التعثر’ ليُعيق الطموح، ويجعل الكثيرين يفضلون البقاء في منطقة الأمان على أخذ مشاريعهم إلى مستويات جديدة من التنافسية. هذا التردد هو ما يحول بين مشروع ناجح على نطاق محدود، وبين أن يصبح قصة نمو واستدامة.

لذلك تكمن الفجوة الحقيقية دائماً في تلك المساحة الفاصلة بين التخطيط النظري والعمل الميداني. وفي عالم قطاع الأعمال، تظل أفكار التطوير والابتكارات التوسعية، مهما بلغت جودتها، بلا قيمة حقيقية إن بقيت حبيسة الدراسات أو أدراج المكاتب. إن التنافسية العالية والنجاح المستدام لا يتحققان بالنوايا ولا بالحلول النظرية، بل يفتحان أبوابهما لمن يملكون الشجاعة لكسر حاجز التردد وإطلاق خطط التطوير والنمو في قلب السوق.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي تقديم مسيرة ريادة الأعمال في صورة منمقة خالية من التحديات؛ فإدارة المشاريع وتوسيع نطاقها ينطويان على قرارات معقدة وعقبات مستمرة ومتغيرات قد لا تؤدي إلى النتائج المرجوة من المحاولة الأولى. غير أن الفارق الجوهري بين مشروع يستمر ويزدهر وآخر يتوقف عند السقف الذي وصل إليه يتلخص في القدرة على التعامل بمرونة مع التحديات، وإعادة تعريف الفشل أو التعثر أثناء رحلة التوسع بوصفه جزءاً أصيلاً من منحنى التعلم وخبرة عملية لا تمنحها المناهج الأكاديمية.

انطلاقاً من هذه الرؤية الواقعية، نحدد في مجلس سيدات أعمال الشارقة مسار عملنا. لقد عملنا على تطوير مفهوم الدعم التقليدي لنبني منظومة تمكين شاملة تضع رائدات الأعمال في قلب المشهد الاقتصادي. إن التمكين الحقيقي لا يعني إلغاء التحديات أو تبسيط السوق بشكل غير واقعي، بل يتجسد في تزويد رائدات ورواد الأعمال بالأدوات العملية، والشبكات المهنية الفاعلة، والفرص الاستثمارية الجريئة التي تمكنهم من تطوير مشاريعهم، وتعزيز تنافسيتها، وإدارتها بنضج واستدامة.
رسالتنا في مجلس سيدات أعمال الشارقة لرائدات الأعمال هي: إن أكبر مخاطرة في بيئة الأعمال اليوم هي الامتناع عن التطوير والمبادرة خشية التعثر أو انتظار الظروف المثالية؛ فالأسواق لا تنتظر التوقيت المكتمل، والفرص تذهب دائماً لمن يتخذ خطوات التوسع الميداني ويتعلم أثناء السير. امتلكوا شجاعة التطوير، واستثمروا في مرونة اقتصادنا، وحوّلوا تحديات السوق إلى خبرات تثري مسيرتكم وتصنع فرصاً جديدة للنمو.
ونحن في الشارقة سنظل معكم خطوة بخطوة، لنحول الأفكار والحلول المبتكرة إلى نمو مستدام، والشغف إلى إنجازات اقتصادية تثري مجتمعنا وتصنع المستقبل.

