دبي – خاص
يشهد قطاع السيارات اليوم واحدة من أكبر مراحل التحول في تاريخه، مدفوعاً بالتوسع في المركبات الكهربائية، وتقنيات الاتصال، والأنظمة الذكية، وتجارب العملاء الرقمية التي تعيد رسم طريقة تطوير السيارات وتسويقها وامتلاكها.
ورغم أن الابتكار التكنولوجي لا يزال محور معظم النقاشات، إلا أن هناك عاملاً آخر أصبح أكثر تأثيراً في تحقيق النجاح المستدام، وهو الخبرة المحلية .
وتعد دولة الإمارات نموذجاً واضحاً يبرز أهمية هذا التوجه.
فبحسب تقرير سوق السيارات في الإمارات 2025–2026 الصادر عن دوبي كارز (DubiCars)، شكّل عام 2025 نقطة تحول مهمة للقطاع. فبعد سنوات من تحديات سلاسل الإمداد، عاد توفر المركبات بوتيرة متسارعة، مع إطلاق المزيد من الطرازات الجديدة، وتوسع مخزون الوكلاء، وتوفير خيارات أوسع أمام العملاء. يقول ساج جبار، نائب رئيس مجموعة ماهي خوري للسيارات:” رغم استمرار الطلب، لا سيما في فئة السيارات الفاخرة، إلا أن وتيرة نمو المعروض تجاوزت سرعة اتخاذ قرارات الشراء.

وأدى ذلك إلى سوق أكثر تنافسية، أصبح فيه العملاء أكثر انتقائية، وازدادت الضغوط على الأسعار، فيما برزت إدارة المخزون كأحد أبرز التحديات أمام الشركات. ويتوقع التقرير أن يؤدي تسارع وتيرة انخفاض قيمة المركبات إلى خسائر إضافية تتجاوز 150 مليون درهم سنوياً عبر منظومة قطاع السيارات في الدولة.
ويمثل ذلك تحولاً مهماً للشركات العاملة في القطاع، إذ لم يعد النجاح يقاس بمجرد طرح السيارات في السوق، بل أصبح يعتمد بشكل متزايد على القدرة على بناء الثقة، وتعزيز ولاء العملاء، وتقديم تجربة امتلاك تمتد لما بعد عملية الشراء.
العلامات الصينية… قصة نجاح تتجاوز التكنولوجيا
تمثل العلامات التجارية الصينية واحدة من أبرز الأمثلة على هذا التحول.
فعلى مدار العقد الماضي، استثمرت الشركات الصينية بشكل كبير في مجالات التكنولوجيا، والتنقل الكهربائي، والاتصال الذكي، والتصميم، والتصنيع. واليوم، بدأت هذه الاستثمارات تنعكس بصورة واضحة على حصتها السوقية في الإمارات.
ووفقاً لتقرير دوبي كارز، ارتفعت حصة السيارات الصينية من إجمالي الطلب على المنصة إلى 13% خلال عام 2025، مقارنة بـ 3% فقط في عام 2024. كما شهد العام إضافة 9 علامات تجارية صينية جديدة و107 طرازات جديدة إلى قاعدة بيانات المنصة.
كما أظهرت بيانات أخرى أوردها التقرير أن السيارات الصينية شكلت ما بين 15% و17% من إجمالي تسجيلات السيارات الجديدة خلال النصف الأول من عام 2025، فيما استحوذت على 67% من إجمالي مبيعات السيارات الكهربائية في دولة الإمارات.

ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على الحصة السوقية فحسب، بل تعكس تحولاً أوسع في أولويات المستهلكين، حيث أصبحت التكنولوجيا، والسلامة، والاتصال، والعملية، والقيمة مقابل المال عوامل رئيسية في قرارات الشراء، متقدمة في كثير من الأحيان على الصورة التقليدية للعلامة التجارية.
ومن خلال عملنا مع دونغ فنغ الإمارات وأومودا وجايكو أبوظبي، نلمس هذا التحول بشكل مباشر. فقد أصبح العملاء أكثر انفتاحاً على العلامات التجارية الجديدة، شريطة أن تقدم منتجاً قوياً وتجربة امتلاك موثوقة.
وهنا تكمن النقطة الأهم.
الابتكار يلفت الانتباه… لكن الثقة تصنع النجاح
قد يكون الابتكار كفيلاً بجذب اهتمام العملاء، لكنه وحده لا يضمن النمو المستدام.
فمع ازدياد المنافسة وتوسع الخيارات المتاحة، أصبحت جودة تجربة الامتلاك العامل الحاسم في بناء ولاء العملاء.
وتلعب خدمات ما بعد البيع، وتوفر قطع الغيار، والخبرات الفنية، وسهولة الوصول إلى مراكز الخدمة، والضمان، وخدمة العملاء، دوراً محورياً في تشكيل الصورة النهائية لأي علامة تجارية.
وفي ماهي خوري للسيارات، تشكل هذه العناصر الأساس الذي نبني عليه تجربة امتلاك سيارات دونغ فنغ في مختلف أنحاء الإمارات، وسيارات أومودا وجايكو في أبوظبي، لضمان حصول العملاء على الدعم والثقة التي تستمر لما بعد تسليم السيارة.
وبالنسبة لكثير من العملاء، تصبح هذه العوامل أكثر أهمية من السيارة نفسها بعد الشراء.
الوكيل المحلي… الحلقة الأهم في تجربة العميل
قد تُصمم السيارة في دولة، لكن تجربة امتلاكها تُبنى محلياً.
فالعملاء يقيمون العلامة التجارية من خلال تعاملهم مع مراكز الخدمة، ومستشاري المبيعات، والفنيين، وخدمة العملاء، وشبكة الوكلاء. وهذه التجارب هي التي تصنع الثقة، وتعزز الولاء، وترسم مستقبل العلامة التجارية.
وتزداد أهمية ذلك في دولة الإمارات، حيث يعد المستهلك من أكثر المستهلكين اطلاعاً وتفاعلاً مع التكنولوجيا في المنطقة. فهو يتبنى الابتكارات بسرعة، لكنه في الوقت ذاته يتوقع أعلى مستويات الخدمة، والشفافية، والسهولة، والثقة طوال رحلة الامتلاك.
ولهذا، أصبحت قوة الشريك المحلي لا تقل أهمية عن قوة المنتج نفسه.
التوطين… مفهوم يتجاوز خدمات ما بعد البيع
لم يعد التوطين يقتصر على تقديم خدمات الصيانة والدعم الفني، بل أصبح يتطلب فهماً عميقاً لتوقعات العملاء، وديناميكيات السوق، وسلوكيات الشراء، وخيارات التمويل، ومتطلبات امتلاك السيارة في كل سوق.
كما يتطلب استثمارات مستمرة في الكفاءات البشرية، والبنية التحتية، والخبرات الفنية، والعلاقات طويلة الأمد مع العملاء.
ومع دخول المزيد من العلامات التجارية إلى الأسواق الجديدة، ستصبح هذه العوامل أكثر أهمية، خاصة مع تقلص الفجوة التقنية بين الشركات، وتحول العديد من التقنيات التي كانت تمثل ميزة تنافسية إلى معايير أساسية في القطاع.
أما الثقة، فهي العنصر الأصعب في البناء والأكثر استدامة.
الاحتفاظ بالعملاء… المحرك الحقيقي للنمو
ويعزز أداء قطاع السيارات الفاخرة هذه الرؤية.
فبحسب تقرير دوبي كارز، ارتفع الطلب على السيارات التي تتجاوز قيمتها 150 ألف درهم بنسبة 40% على أساس سنوي خلال عام 2025، بالتزامن مع توسع كبير في المعروض، ما رفع مستوى المنافسة وزاد من مخاطر انخفاض قيمة المخزون.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح المحافظة على العملاء الحاليين أكثر أهمية من مجرد استقطاب عملاء جدد.
فالنمو المستدام لا يتحقق فقط عبر المبيعات الجديدة، بل يعتمد على العملاء العائدين، وتوصياتهم للآخرين، وثقتهم المستمرة في تجربة الامتلاك.
المستقبل سيكون لمن يجمع بين الابتكار والثقة
لن تُحسم المرحلة المقبلة من نمو قطاع السيارات في الإمارات بالمنتج وحده.
فالابتكار سيظل عاملاً أساسياً، لكن في سوق يزداد ازدحاماً بالمنافسين، أصبح تقليد التكنولوجيا أسهل بكثير من بناء الثقة.
ولهذا، ستكون العلامات التجارية الأكثر نجاحاً خلال السنوات المقبلة هي تلك التي تجمع بين المنتجات العالمية المتطورة والأسس المحلية القوية، لتقدم ليس فقط سيارات يرغب العملاء في شرائها، بل تجربة امتلاك يمكنهم الاعتماد عليها لسنوات طويلة.
ومع استمرار تطور القطاع، سيصبح التوطين أحد أهم عوامل التنافسية في صناعة السيارات.
فالابتكار العالمي قد يفتح الأبواب، لكن النجاح الحقيقي يبدأ بما يحدث بعد أن يعبر العميل من خلالها.

