بيشوي عزمي، الرئيس التنفيذي لمجموعة إنوفو
على الرغم من الدور الرئيسي الذي يلعبه قطاع البناء في تشكيل ملامح المدن الحديثة، إلا إنه لا يزال من أبطأ القطاعات في مواكبة التحولات التقنية، فقد ظهرت على مدار العقود الماضية تقنيات واعدة داخل المختبرات ومراكز الأبحاث، إلا أن كثيراً منها لم يتمكن من تجاوز تعقيدات مواقع العمل ومتطلبات التنفيذ الفعلي، ما أبقى الفجوة قائمة بين الحلول الرقمية والواقع التشغيلي للمشاريع التنموية الكبرى.
وقد انعكس ذلك على مستويات الإنتاجية أيضاً، في وقت لم يعد فيه الاعتماد على الأساليب التقليدية قادراً على تلبية متطلبات مدن المستقبل. واليوم، يقف قطاع الإنشاءات أمام مرحلة مهمة، وتبرز دولة الإمارات كواحدة من أكثر البيئات قدرة على تسريع هذا التحول وقيادة مستقبل البناء على مستوى العالم.
وتشهد دول الخليج موجة استثمارية متسارعة تدفع إلى طلب غير مسبوق على مشاريع البنية التحتية والتطوير العمراني، وهو ما تعكسه حزمة الشراكات بين القطاعين العام والخاص في أبوظبي بقيمة 55 مليار درهم. لكن هذا النمو السريع ترافق أيضاً مع تصاعد حدة المنافسة بين الشركات العالمية والإقليمية على الموارد والكفاءات والهوامش التشغيلية، ما جعل التكنولوجيا والتحول الرقمي ضرورة أساسية للحفاظ على القدرة التنافسية، وليس مجرد وسيلة لتحسين الأداء.
وفي هذا المشهد، تمتلك دولة الإمارات ميزة تتجاوز البنية التحتية الرقمية المتقدمة واستثمارات الذكاء الاصطناعي، إذ توفر أيضاً مشاريع ضخمة قيد التنفيذ تشكل بيئة واقعية لاختبار التقنيات الحديثة. وعلى عكس البيئات التجريبية المغلقة، تفرض مواقع العمل في الإمارات تحديات معقدة تشمل سرعة التنفيذ، وكثافة العمليات اللوجستية، وتعدد الأنظمة والمراحل التشغيلية، وهو ما يمنح الابتكار قيمة عملية حقيقية.
ونشهد اليوم كيف تساهم الحلول المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في تحسين الكفاءة والجودة وتقليل الأخطاء وإعادة العمل داخل المشاريع الكبرى، بصورة تتجاوز بكثير نتائج البرامج التجريبية المحدودة. وفي دولة يمكن أن تتجاوز فيها قيمة مشروع واحد ميزانيات البنية التحتية السنوية لبعض الدول، تصبح آثار هذه التحسينات أكثر وضوحاً وتأثيراً.
كما بدأت هذه التحولات تعيد تشكيل طبيعة العمل داخل مواقع البناء، مع توسع استخدام الروبوتات وأنظمة الأتمتة التي لم تعد مفهوماً مستقبلياً، بل جزءاً من العمليات اليومية في عدد متزايد من المشاريع. وأصبحت الأنظمة المؤتمتة تتولى تنفيذ أعمال دقيقة ومتكررة يصعب تحقيقها بالكفاءة نفسها عبر الطرق التقليدية، سواء في أعمال الحفر المرتبطة بأنظمة الميكانيكا والكهرباء والسباكة، أو في أعمال الطلاء والتشطيبات والجص باستخدام الحلول الروبوتية.
ويمثل هذا التحول خطوة مهمة نحو رفع الإنتاجية وتقليل الاعتماد على كثافة العمالة، بالتوازي مع تعزيز مستويات السلامة والجودة والكفاءة التشغيلية. كما يتيح إعادة توجيه الكفاءات البشرية نحو أدوار تشغيلية وتحليلية أكثر ارتباطاً بالبيئات الرقمية الحديثة، بدلاً من الاعتماد المفرط على الأعمال اليدوية التقليدية. ولم يعد بالإمكان تأجيل هذا المسار، في وقت يصعب فيه بناء مدن ذكية قائمة على البيانات باستخدام أدوات وأساليب تنتمي إلى الماضي.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الاستدامة والتكنولوجيا مسارين مترابطين بالكامل، خصوصاً في ظل مساهمة البيئة العمرانية بما يقارب 40% من الانبعاثات الكربونية العالمية. فالوصول إلى أهداف الحياد المناخي ورفع الكفاءة التشغيلية يتطلبان مستويات أعلى من الدقة وتقليل الهدر، وهي عوامل تعتمد بصورة مباشرة على التقنيات المتقدمة.
إن تحقيق هذه الرؤية لا يعتمد على جهود فردية متفرقة، بل يتطلب منظومة متكاملة تجمع الجهات الحكومية والمطورين والمقاولين وشركات التكنولوجيا ضمن إطار موحد يدعم الابتكار وتسريع تبني الحلول الحديثة. فالجهات الحكومية قادرة على توفير البيئة التنظيمية والتوجهات الاستراتيجية الداعمة للتحول، فيما يستطيع المطورون دمج متطلبات التكنولوجيا وتبادل البيانات منذ المراحل الأولى للمشاريع، بينما يمكن للمقاولين تحويل مواقع العمل إلى منصات حية لتجربة الحلول الجديدة وتطويرها وتوسيع نطاق استخدامها.
ولسنوات طويلة، اعتادت المنطقة على استيراد أساليب البناء والنماذج التشغيلية من الأسواق العالمية، إلا أن هذه المعادلة بدأت تتغير اليوم، إذ تمتلك دولة الإمارات المشاريع والطموح والبنية التحتية والبيئة التنظيمية التي تؤهلها للانتقال من سوق تنفذ فيه المشاريع العالمية، إلى مركز عالمي يطور ويصدر نماذج البناء المستقبلية القائمة على التكنولوجيا والاستدامة والكفاءة التشغيلية.

