كيف طورت الشركات الناشئة في دبي من حلولها لمواكبة “الوضع الطبيعي الجديد”
مترجم بتصرف: مقال لـ آيليا ميهرين أحمد
أظهرت أزمة كوفيد-19 العديد من التحديات التي تواجه الأعمال فيما يتعلق بنماذج أعمالها وكفاءتها التشغيلية. وقد بات واضحاً أكثر من أي وقت مضى، ان الصلابة والرغبة بالابتكار هي خصال ومزايا يمكن أن تساعد المشاريع الناشئة في تخطي تحديات أي أزمة.
تقول ناتاليا شيفا، مدير ريادة الأعمال في غرفة تجارة وصناعة دبي:” رغم أن جائحة كورونا قد ولدّت معها تحديات إلى جميع الشركات حول العالم، تمتلك المشاريع الناشئة ميزة تنافسية على الشركات الكبيرة وهي مرونتها في التفاعل والتأقلم مع الظروف المتغيرة. إن حالة الضبابية التي تهيمن على السوق قد دفعت المشاريع الناشئة في دبي لاتخاذ إجراءات عملية لضمان حماية الشركة في الجانب القانوني، وخفض التكاليف القصيرة المدى والحفاظ على السيولة النقدية.”
وتضيف شيفا قائلة:” وعلى الأرجح أن يعيد رواد الأعمال النظر بنماذج أعمالهم على المدى البعيد، ويحولوا تركيزهم نحو الاحتياجات الطارئة للمستهلك، ويعززوا استثماراتهم بالحلول الرقمية، ويعتمدوا استراتيجيات جديدة للدفع بالنمو المستدام. فعلى سبيل المثال، أطلقت إحدى الشركات الناشئة العضوة في دبي للمشاريع الناشئة مسابقة لمحاربة انتشار كوفيد-19، وتعزيز الترويج لمجموعة أجهزة الروبوتات، في حين قامت شركة أخرى بتنويع منتجاتها من دراجات التوصيل الكهربائية إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وأصحاب المطاعم والمستشفيات الحكومية في محاولة لتلبية الطلب المتزايد على خدمات التوصيل.”

ولفتت شيفا إلى أن دبي للمشاريع الناشئة، المبادرة التي أطلقتها غرفة دبي لدعم ريادة الأعمال، استمرت خلال فترة انتشار جائحة كورونا في توفير العديد من البرامج والمبادرات المخصصة لدعم الشركات الناشئة، مثل برنامج شراكات الأعمال الذي يجمع بين الشركات التي تواجه تحديات محددة مع شركات ناشئة توفر حلولاً مبتكرة لهذا التحديات. وأشارت في نفس الوقت إلى أنها لمست قيام الشركات العاملة في دبي بدراسة التحديات التي واجهتها خلال الأزمة، واعتمادها حلولاً مبتكرة للتغلب عليها.
وتعتبر شركة “GoFood” إحدى هذه الشركات التي أطلقت خلال الأزمة، وهي عبارة عن تطبيق للأطعمة يعتمد عمولات منخفضة نسبياً على الطلبات التي توضع عبر التطبيق، مع إعطاء أصحاب المطاعم الفرصة لإدارة الخدمات مباشرة. يقول نفيد دولاتشاهي، الرئيس التنفيذي لـ” GoFood”:” لقد أدركنا خلال فترة الجائحة أن تطبيقات التوصيل القائمة لم تتعامل كشركاء حقيقيين مع الشركات من خلال رفض خفض نسب عمولتهم. وقد أدركنا الحاجة إلى القيام بخطوة ما وبسرعة إذا ما كنا نريد المحافظة على وجودنا في سوق العمل، ولذلك قررنا أن نأخذ هواجسنا وندمجها مع الخبرات في قطاع الأعمال لتوفير حلول ملموسة تدعم مشغلي المطاعم، وتتيح للعميل خياراً أخلاقياً في الوقت الحالي.”
ويشرح دولاتشاهي أن “GoFood” تمتلك هيكلية معقولة للعمولة (2% لأول 2,000 مطعم يسجل في المنصة و5% للباقي، وهو ما يعتبر أقل النسب في السوق)، ولأنه يتم إدارة الخدمات في المنصة عبر أصحاب المطاعم أنفسهم، فإن رسوم التوصيل تذهب مباشرة للمطاعم كذلك، ولا يوجد هناك رسوم عضوية، مما يتيح للمستهلك دعم المطاعم التي يفضلها. كما توفر المنصة ميزة للمطاعم التي لا توفر خدمة توصيل أو تكون الخدمة مكلفة بالنسبة إليه، مشيراً إلى أن الشركة في “مرحلة إطلاق شراكة استراتيجية مع هيئة الطرق والمواصلات التي ستوفر خدمة التوصيل النهائية بالنيابة عنا.”
ولكن مع وجود نموذج أعمال يعتمد بشدة على هيكلية عمولة منخفضة، تبرز بالتأكيد أسئلة محورية حول التأثير المالي والمستدام الطويل الأمد. وعندما سألناه عن خطته لإدارة عمل شركته والمحافظة على نشاطها، أشار دولاتشاهي إلى وجود مصادر إيرادات إضافية لمساعدة الشركة مالياً، مضيفاً:” إن هيكلية العمولة التي نمتلكها ليست مستدامة بطبيعة الحال، ولذلك فإننا خططنا لمصادر إيرادات أخرى تشمل خيارات بقالة وسلسلة إمداد وتوزيع تجمع الأعمال مع المستهلك (B2C) وتجمع الأعمال مع الأعمال (B2B) بالإضافة إلى توفير خدمات ذات قيمة مضافة للتجار منها على سبيل المثال لا الحصر إدارة شبكات التواصل الاجتماعي وتصميم المواقع الإلكترونية وتصميم الرسوم وتصوير الطعام والتوضيب والطباعة وحتى تدقيق الأعمال. إن نموذج “GoFood” للأعمال يهدف لتوفير منصة تسوق واحدة أكثر شمولية وتكاملاً لمجتمع المطاعم في الدولة، ولكن سيقع الكاهل الأكبر من نجاح هذا التطبيق على كفاءة التطبيق ذاته. وحلنا اليوم هو منتجات العلامة البيضاء، حيث اننا نعلم أنه منتج جيد، إلا ان هناك مجالاً للتحسين، فالاستثمار المستمر حساس جداً من أجل استدامة وبقاء شركة “GoFood”.
ويركز نموذج أعمال “GoFood” على المستهلك، مطلقاً عرضاً بتوفير 200 درهماً كنقاط ولاء لكل من يقوم بتحميل التطبيق، من أجل بناء ثقة العميل، حيث يضيف دولاتشاهي أن نموذج أعماله يعمل على تثقيف المستهلكين حول الصعوبات التي تواجهها المطاعم في بيئة الأعمال الحالية، قائلاً:”قد لا يعلم المستهلك العادي أن شركات توصيل الطعام تفرض رسوماً تصل إلى 35% من قيمة الطلب، في حين ان التخفيضات التي تقدمها المطاعم عبر هذه التطبيقات تتحملها هي وليست التطبيقات، ولذلك تخيل معنا الضغوطات التي تواجهها المطاعم التي تقدم خصومات بنسبة 50% بالإضافة إلى عمولة تصل إلى 30% لتطبيقات التوصيل. ما الذي بقي للمطاعم؟ المطاعم اليوم سواء كانت صغيرة أو كبيرة تواجه نفس التحديات، ونتمنى أن يتوحد المستهلكون معنا لدعم “GoFood”، وبالتالي دعم المطاعم التي يحبونها خلال الأوقات الحرجة.”
وفي نفس الوقت، يتاح للمطاعم المنضمة للمنصة الإطلاع على البيانات الرئيسية للعملاء ومنها أرقام الهواتف والبريد الإلكتروني. يقول دولاتشاهي: “ومن خلال الانضمام للمنصة، وضعت هذه المطاعم ثقتها بنا ونحن نشكرها على ذلك. وفي نهاية الأمر، نحن مجرد مسهل لأعمالهم، ولذلك من المنصف ان تحصل هذه الشركات على بيانات العميل.” ويتحدث دولاتشاهي بتفاؤل وأمل عن المستقبل قائلاً:” نريد ان نكون المحفز والقدوة لمنصات توصيل الطعام القائمة والتي ستؤسس في المستقبل. الواقع القاسي يشير إلى أن نموذج التوصيل موجود ليستمر، وسيكون أكثر تأثيراً على حياتنا لأن المستهلكين اليوم يبحثون عن الراحة وسرعة الخدمة وسهولة الوصول لها. المنافسة صحية تماماً، وندعم كل من يريد ان يدخل لسوق العمل بشكل يكون العميل هو المستفيد، وتكون المطاعم أكثر قدرة على الاستدامة والبقاء عبر نموذج أعمال موثوق.”
وشهدت فترة أزمة كوفيد-19 كذلك إطلاق شركة ناشئة أخرى متخصصة بالضيافة أسمها “Opaala” التي أسسها كل من مروان صعب وجايلز رايت، والتي توفر نظام خدمات ذكي لتعزيز المبيعات وتوفير تواصل لاتلامسي للمشغلين في قطاع الضيافة. وتهدف “Opaala” التي تعتبر منصة سحابية إلى توفير تجربة سهلة وملائمة للعملاء للوصول إلى قائمة العروض والخدمات الأخرى في مجال الضيافة، مما يتيح لهم قدرة أكبر على التحكم بتجاربهم الشخصية، مع خفض تكاليف التوظيف ووقت انتظار الخدمة.

وبالإضافة إلى الابتعاد عن نموذج الخدمات التقليدي المعتمد في قطاع الضيافة الذي يتألف من 8 خطوات، يشرح صعب نظامه الثلاثي الأبعاد( Opaala inVenue for restaurants, Opaala inRoom for hotels and Opaala remote) ” الخاص بالمطاعم والفنادق وخدمات التوصيل للأعمال”، وهو نظام يتخلى على منهجية التطبيقات ويختار خدمة تعتمد على المتصفح الإلكتروني. يقول صعب :” نحن لسنا تطبيقا ذكياً، ولا نأخذ معلومات حول العقارات عبر هاتفك، ولا نطلب بياناتك، ولكننا موجودون عند الحاجة. نريد أن نضمن سهولة القدرة على الوصول إلى قائمة الخدمات في الفنادق والمطاعم سواء للعميل الدائم أو للعميل الذي يقصدنا لأول مرة. الانتظار لتحميل التطبيق قد يؤخر التجربة وقد يعيد بسببه الأشخاص النظر في استخدام المنصة.”
ولكن كيف يمكن للخدمات التي توفرها “Opaala” مساعدة قطاع الضيافة خلال هذه الأوقات الصعبة؟ يجيب صعب:” لقد بات واضحاً ومعلوماً الصعوبات وحالة الإحباط التي عاشها قطاع الأغذية والمشروبات بما يتعلق بتجربتهم مع تطبيقات التوصيل وخصوصاً في فترة الإغلاق. لقد كان التأثير المالي مروعاً وبات على هذه الجهات إيجاد حلول لتوفير المال. وقد مارسوا أعمالهم خلال هذه الفترة بالحد الأدنى من الهوامش. وقد قمنا بتحديد التجربة التقليدية التي يمر بها الجميع عندما ندخل أي مطعم أو فندق، وقمنا بالتفكير بكيفية توفير تجربة سهلة وسلسة للضيف وأصحاب العمل على حد سواء.”
يضيف صعب:” يمكن للضيوف إضفاء الطابع الشخصي للخدمة ومواءمتها حسب رغباتهم، سواء من خلال فعل كل شيء بشكل مستقل وصولاً إلى استخدام المنصة للتواصل مع الموظفين، والحصول على خدمة مباشرة. وبالنسبة لأصحاب العمل، فهذا يعني توفير تجربة أفضل للضيوف والعملاء وإحداث تأثير مالي ملحوظ، حيث شهدنا انخفاضاً بنسبة تتراوح بين 20-30% في النفقات العامة، بالإضافة إلى معدل 15% وأكثر في نمو في العائدات نتيجة الارتفاع في عدد الطلبات.”
ويتحدث صعب عن نقطة قوة شركته المتمثلة بتكامل نقطة البيع مع الجهات المنضمة للمنصة قائلاً:” يمكن لهذه الجهات تقسيم مساحتهم إلى مناطق بسهولة، مع تحويل الطلبات من مختلف الأقسام إلى أنظمة نقاط بيع أو مباشرة إلى الأفراد الموظفين، حيث يمكنهم إجراء العديد من العمليات المختلفة. تكامل نقاط البيع يعتبر أمراً أساسياً حيث يتاح للجهات إمكانية إدارة منصتهم من أي متصفح، وربطه بطابعة موجودة حتى في المطبخ أو دمجه بسهولة مع نقاط بيعهم الخاصة. الدمج مع بوابة الدفع التابعة لكل جهة يعتبر جانباً هاماً ويعني أنهم يحصلون على أموالهم فوراً من دون أي نسب مضافة على رسوم أخرى.”
وبالإضافة إلى خفضه للتكاليف الإجمالية بالنسبة للشركات والأعمال، تستخدم الشركة طرقاً مسؤولة وأخلاقية في مسيرتها لمساعدة قطاع الضيافة على إيجاد وسائل إضافية لزيادة إيراداتها. ويقول صعب في هذا المجال:” بعيداً عن واقع قدرتنا على خفض التكاليف وزيادة الإيرادات للشركات، نساعدهم كذلك على ان يصبحوا أكثر استدامة من خلال توفير الكثير من النفايات الورقية حيث تتغير القوائم والأسعار بانتظام. وغالباً ما نجد أخطاء في القوائم المطبوعة، سواء أكانت إملائية أو حتى أخطاء بالأسعار، وإذا ما قمت بإضافة خدمة او منتج جديد على القائمة، فينبغي عليك تحديث القائمة، في حين أنه في زمن كوفيد-19، بات المفضل رمي القوائم المطبوعة والاستعاضة عنها بوسائل رقمية. نحن نوفر كل هذه المراحل والجهد والنفقات.”
ويضيف صعب قائلاً:” يساعدنا النظام على تحسين التواصل بين العميل وأصحاب العمل. نحن هنا ليس من أجل الحلول مكان العلامة التجارية، لأننا نسعى إلى تحسينها.” ومع وجود تساؤل حول قدرة “Opaala” على الاستدامة في إيراداتها والمحافظة عليها على المدى البعيد، يؤكد صعب أن بداية الرحلة كانت واعدة جداً قائلاً:” لقد توقعنا أن تكون أعداد المستخدمين قليلة في البداية، وأردنا التعرف على أية ملاحظات سلبية من العملاء وأصحاب الأعمال، ولكننا فوجئنا بالنتائج. فأحد شركائنا حصل على تأثير فوري، حيث بلغت نسبة طلباته التي قدمت عبر المنصة 95% من الإجمالي. ولأنهم كانوا قادرين على إدارة حسابهم والتحكم بقائمة خدماتهم وإضافة الصور، حققوا نمواً بنسبة 20% في الطلبات خلال الأسبوع الأول من انضمامهم إلينا في “Opaala”.
ويؤمن صعب أن منهجية شركته المرنة والمبتكرة ستسمح للشركة بالنمو والتطور على المدى البعيد، مضيفاً:” ما يجعلنا متميزين عن غيرنا هو استمرارنا في إضافة المزايا التي تشمل كذلك مزايا خاصة يطلبها شركاؤنا وعملاؤنا. نحن لا نؤمن باستراتيجية “مقاس واحد يناسب الجميع”، لأن كل شركة لها طريقتها الخاصة في ممارسة الأعمال، ونحن لسنا هنا لتغيير هذه الطريقة، بل لتحسين هذه الطريقة، وتوفير حلول لمسائل محددة عبر التكنولوجيا. نعمل بالتنسيق مع شركائنا لتحديد تحدياتهم وتطبيق الأتمتة عليها.”
وبينما يمتلك صعب خططاً لتوسع “Opaala” لأماكن جديدة في دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا والمكسيك وكندا، يقول صعب أن الهدف الأكبر هو تثقيف العملاء بالمسائل التي تشكل تحدياً لقطاع الضيافة، وكيفية تقديم المساعدة لهذا القطاع، مضيفاً:” نحب ان يتزود عملاؤنا بالمعرفة اللازمة للهوامش التي يعمل بموجبها اللاعبون الأساسيون في قطاع الضيافة والأغذية والمشروبات، حيث يتم تكريس العديد من الجهود لخلق تجارب ممتازة وتوفير أطعمة لذيذة بسعر مباشر من هذه الجهات. ورسالتي واضحة للعملاء، اخرجوا وتمتعوا بوقتكم وتناولوا الطعام الذي تحبونه، وساعدوا هذه الشركات.”