أبوظبي – خاص
تواصل المرأة الإماراتية تمكين دورها العالمي وتمثل د. نجلاء الزرعوني خبيرة العلاقات الدولية نموذجاً حياً لدور المرأة الإماراتية عالمياً، في هذا اللقاء تتحدث الزرعوني عن تجرتها المهنية في مجال العلاقات الدولية والدبلوماسية وصناعة السياسات، وهذا قادها إلى سؤال مهم حول من يملك القدرة على صياغة نقاشات دولية وتقديم محتوى مؤثر على صعيد الراي العام الدولي
حول رحلتها وخبرتها في العلاقات الدولية تقول :”
لطالما ارتبطت مسيرتي المهنية ارتباطًا وثيقًا بالعلاقات الدولية والدبلوماسية، فقد أمضيت جزءاً كبيراً من وقتي في دراسة الشؤون الدولية، وتدريب الدبلوماسيين، وإدارة النقاشات التي جمعت بين صنّاع السياسات، والأكاديميين، والقادة الشباب، والخبراء الدوليين. وخلال عملي هذا، ازداد اهتمامي تدريجياً بالسؤال حول من يملك القدرة على صياغة النقاشات الدولية، ومن تُسمع أصواته ووجهات نظره.
وانتقل هذا الاهتمام بشكل طبيعي إلى برنامج Global Southing. فعلى امتداد حلقات البرنامج، تناولنا موضوعات متنوعة، من استكشاف الفضاء، والأمن الغذائي، إلى الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والدور المتغير لوسائل الإعلام. ورسخت لي هذه الحوارات أن الخبرات والأفكار موجودة بالفعل في أنحاء الجنوب العالمي، لكن تكمن المشكلة في أنها لا تحظى دائماً على فرصة تتيح لها الوصول إلى أكبر جمهور. وهذا تحديداً ما نسعى إلى تغييره.
ويسعى البرنامج لإتاحة مساحة أكبر للاستماع مباشرةً إلى الخبراء من مختلف أنحاء الجنوب العالمي، ممن يشاركون فعلياً في صناعة هذه التحولات، بدلاً من الاكتفاء بسماع تجاربهم من خلال شخص آخر.
بصفتك مدرّبة دبلوماسية ومديرة لـ Global Influence Catalyst، ولكن ماهي الأخطاء الشائعة التي يرتكبها
المؤسسون وقادة الأعمال خلال سعيهم إلى بناء المصداقية والتأثير على الساحة الدولية؟
أحد أكبر الأخطاء هو افتراض أن النجاح أو المصداقية في سوق ما ينتقلان تلقائياً إلى سوق أخرى. بينما في الواقع، لابدّ من اكتسابهما. فقد تمتلك شركة قوية واسماً معروفاً وقصة مقنعة، لكن عندما تدخل بلداً أو سوقاً جديدة، لا بدّ من فهم كيفية بناء الثقة والمصداقية والنفوذ في تلك البيئة.
وهذا يعني معرفة المؤسسات وصنّاع القرار المعنيين، وفهم الاختلافات الثقافية، وإدراك أن بناء العلاقات قد يتم بطرق مختلفة تماماً عمّا اعتدت عليه. كما أن طريقة التواصل مهمة أيضاً، حيث يمكن لما يبدو مقنعاً في ثقافة ما أن يُفهم بصورة مختلفة تماماً في ثقافة أخرى.
وغالباً ما يخلط روّاد الأعمال بين الظهور والتأثير. فحضور المؤتمر المناسب، أو التحدث في جلسة، أو الظهور مع الأشخاص المناسبين قد يمنحك حضوراً مرئياً، لكن بناء المصداقية يستغرق وقتاً أطول بكثير. فالمصداقية تنبع من الإصغاء، وفهم ما يهمّ الأشخاص المتأثرين وما يريدونه، والالتزام بالقول والفعل.
وهذا ما تشترك فيه الدبلوماسية والأعمال؛ إذ لا يمكنك بناء علاقات ذات معنى إذا ركّزت فقط على ما تريد. بل يجب عليك أولاً أن تفهم ما يهمّ الطرف الآخر، وما يسعى إلى تحقيقه، وأين تتقاطع مصالحكما فعلياً.
وحول ما المفاهيم الخاطئة التي لا يزال العالم يعتقدها بشأن الجنوب العالمي، وكيف تؤثر هذه التصورات في الطريقة التي يقيّم بها المستثمرون والشركاء الفرص هناك تقول:
أكبر المفاهيم الخاطئة هو التعامل مع الجنوب العالمي كأنه مكان واحد، بينما في الواقع، نحن نتحدث عن غالبية العالم! أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، جميعها مناطق تضم اقتصاد وثقافات وأنظمة سياسية ومستويات تنمية وطموحات مختلفة تمامًا.
وعندما تُدرَج كل هذه البلدان تحت مسمى واحد، يصبح من السهل جداً نقل الافتراضات نفسها من سوق إلى آخر. فعلى سبيل المثال، قد ينظر مستثمر إلى منطقة بأكملها من خلال تصوّر عام للمخاطر، ليغفل عمّا يحدث في بلد أو قطاع معين، بما في ذلك الفرص التي بدأت تتبلور بالفعل.
إضافة إلى التركيز على ما تفتقر إليه بلدان الجنوب العالمي بدلاً من الانطلاق مما هو موجود لديها بالفعل، مما يؤدي ذلك إلى إغفال الصناعات، والمواهب، والموارد، والبنية التحتية، والخبرات، فضلاً عن التحولات الجارية داخل الأسواق المختلفة.
ومن المفيد النظر إلى كل سوق وفق معطياته الخاصة، بدءأ مما يمتلكه، والتغيرات الجارية فيه، بالإضافة لفجواته، وأهم أهدافه وأولوياته. كلّ ما سبق هو جزء مما نقوم به في البرنامج، فالاستماع إلى أشخاص يمتلكون معرفة مباشرة بهذه التحولات يمنحك صورة أدق بكثير عن واقعهم، وهو أكثر فائدة من التعامل مع هذا التنوع من خلال مجموعة واحدة من الافتراضات.
أين تكمن أكبر الفرص التجارية للمؤسسين والمستثمرين حالياً في ظل التحالفات الناشئة وممرات التجارة والتعاون الإقليمي؟
تكمن أكبر الفرص في الأماكن التي تُبنى فيها روابط جديدة بين الأسواق. فعندما تربط شبكة سكك حديدية أو ممر تجاري أو آلية دفع جديدة بين بلدان كان التبادل التجاري بينها صعباً، فإن ذلك قد يغيّر الإمكانيات التجارية في تلك المناطق.
ويظهر ذلك بوضوح على أرض الواقع من خلال مشاريع مثل »طريق التنمية« في العراق، المصمَّم لربط ميناء الفاو بالحدود التركية ومنها إلى أوروبا، و»الممر الأوسط «الذي يربط آسيا بأوروبا عبر آسيا الوسطى، بالإضافة إلى شبكة السكك الحديدية لدول مجلس التعاون الخليجي. هذه المشاريع لا تقتصر على النقل فقط، مما يجعلها فرصة تستحق الاستثمار، فهي تدعم اللوجستيات والتصنيع والسياحة والخدمات، وتُسهّل حركة الأفراد والبضائع بين الأسواق.
كما أن جزءاً متزايداً من تجارة الجنوب العالمي وتمويله التنموي لم يعد مرتبطاً بالدولار الأمريكي. فعلى سبيل المثال، يستطيع »بنك التنمية الجديد« تقديم قروض للدول الأعضاء بعملاتها المحلية. وخلال حديثي مع الدكتورة دانية الخطيب، الخبيرة في العلاقات الأمريكية الخليجية، أوضحت كيف تقوم البرازيل والصين حالياً بتسوية بعض المدفوعات مباشرة بين بنكيهما المركزيين بالعملة المحلية، وهو مسار أسرع وأقل تكلفة من الطرق التقليدية. وبالنسبة للمستثمرين، يعني ذلك تكاليف أقل في الصفقات، ومخاطر أقل لتغير العملات، وتمويلاً أكبر للبنية التحتية التي تعتمد عليها هذه الممرات.
وتُعدّ أفريقيا مثالاً مهماً على أثر التعاون الإقليمي. فمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية تهدف إلى ربط قارة تضم أكثر من 50 دولة بشكل أوثق كسوق تجارية واحدة. وقدّر البنك الدولي أنها قد تخرج نحو 30 مليون شخص من الفقر المدقع، مما يوضح حجم تأثيرها الاقتصادي المتوقع.
وما يجعل كل هذا مثيراً الاهتمام بشكل خاص هو ما يمكن أن ينشأ حول هذه الروابط. فالممر الجديد لا يقتصر على نقل البضائع من مكان إلى آخر، بل يمكن أن يولّد طلباً على الخدمات اللوجستية والبنية التحتية والتكنولوجيا والخدمات والتمويل. لذا، فإن النظر إلى ما هو أبعد من الدول منفردة، والتركيز على الأماكن التي تزداد فيها الأسواق ترابطاً، يكشف لنا الكثير عن أماكن ظهور الفرص الاستثمارية الجديدة.
لماذا تحمل التطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي ومعايير البيانات والطاقة في الجنوب العالمي تداعيات مباشرة على الطريقة التي ينبغي للشركات في المنطقة أن تتموضع بها، وليس فقط على صنّاع السياسات؟
للذكاء الاصطناعي والبيانات والطاقة دور كبير في تشكيل التنمية الاقتصادية في أنحاء الجنوب العالمي، والقرارات التي تُتخذ اليوم في هذه المجالات قد يكون لها تداعيات أوسع بكثير على الشركات في هذه المناطق.
فالذكاء الاصطناعي يغيّر بالفعل طريقة عمل القطاعات المختلفة، لكن النقاش الأهم اليوم يتمحور حول كيفكية تنظيم هذه التقنية، ومن يتولّى تطويرها، وكيف تضمن الدول أن هذه التكنولوجيا تخدم أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية.
وترتبط البيانات ارتباطاً وثيقاً بذلك. فمع تزايد اهتمام الدول بمكان تخزين البيانات وطريقة استخدامها، قد تجد الشركات التي تعمل في أكثر من سوق نفسها أمام قوانين وتنظيمات مختلفة تماماً من دولة لأخرى.
أما الطاقة فتمثل تحدياً مختلفاً. فبالرّغم من توسّع الطاقة المتجددة، لا يزال التمويل والبنية التحتية من الاعتبارات الجوهرية في كثير من الأسواق. وستؤدي طريقة معالجة هذه الفجوات دوراً مهماً في تحديد وتيرة تطور الاقتصاد وتبنّي التقنيات الجديدة.
قد تبدو هذه القضايا وكأنها مجرد نقاشات سياسية، لكن آثارها مهمة للغاية؛ فهي تؤثر في أماكن استثمار الشركات، وكيفية عملها، وما يمكنها تحقيقه في سوق معيّنة. ولهذا نطرحها في Global Southing، لأنها تفتح لنا المجال لمعرفة وجهات الدول، وكيف تتغير أولوياتها.
كيف يتصدّر الجنوب العالمي الابتكار في قطاعات متنوعة بدلاً من الاكتفاء بملاحقة التطور، وماذا يقدم هذا التحوّل لروّاد الأعمال أصحاب الطموحات الإقليمية والعالمية؟
لابدّ لنا من تجاوز فكرة أن الابتكار يبدأ في مكان ما ليصل في نهاية المطاف إلى الجنوب العالمي. ففي الوقت الراهن، تعمل شركات في مختلف أنحاء الجنوب العالمي على تطوير حلول في مجالات مثل المدفوعات عبر الهاتف المحمول، والتكنولوجيا المالية، والتكنولوجيا الزراعية. وهي تصمم هذه الحلول انطلاقاً من الاحتياجات المحلية أولاً، ليتضح لاحقاً أن كثيراً منها يصلح لأسواق تتجاوز تلك التي نشأت فيها.
وهذا ما برز بوضوح في العديد من المواضيع التي تطرّقنا لها في Global Southing. والمثير للاهتمام أيضاً هو كيفية تشكّل الأفكار والحلول استجابةً للواقع العملي لهذه الأسواق، سواء تعلّق الأمر بالبنية التحتية المتاحة أو باحتياجات المجتمعات المحلية أو الأولويات الاقتصادية لتلك الدول. فهي لا تكتفي بنسخ النماذج الأجنبية، بل تطوّر أساليب تناسب أسواقها الخاصّة. وهذا يؤدي في نهاية المطاف إلى منتجات أفضل تلبي احتياجات العملاء بصورة أفضل.
وتنتج التحديات المختلفة حلولاً مبتكرة، وتُعد تجربة«M-Pesa» خير دليل على ذلك. يلخص مختار سيلا (الرئيس السابق لشركةAfrica Online في كينيا) جذر المشكلة التي أطلقت هذا المشروع، من خلال تساؤلات حول كيفية إرسال المال لجدّة تعيش في قرية نائية لا تملك حساباً مصرفياً ولا بطاقة مصرفية، لكنها بحاجة لدفع الفواتير وشراء الطعام. حيث قدمت«M-Pesa» الحل عبر الهاتف المحمول؛ إذ انطلقت الخدمة من قلب تلك البيئة ولخدمة أهلها، ثم تحولت إلى مشروع ضخم يتيح لملايين الأشخاص الوصول لخدمات مالية آمنة.
وتتصدّر دول أفريقيا جنوب صحراء العالم اليوم في عدد حسابات الأموال عبر الهاتف المحمول. ومن غير المرجح أن يأتي هذا الابتكار من لندن أو نيويورك أو وادي السيليكون، حيث لم تكن المشكلة بالشكل نفسه. وحين يواجه الناس تحديات مماثلة، يمكن للحل نفسه أن ينتقل إلى أسواق أخرى.
تُتيح هذه التحولات فرصة ثمينة لرواد الأعمال للتفكير بعقلية عالمية منذ اللحظة الأولى. فبدلاً من الاكتفاء بالتساؤل عن كيفية تكييف فكرة عالمية مع سوقهم، يمكنهم أيضاً التفكير في تطبيق الحل في بلدان ومناطق أخرى.
من أين ستأتي التحولات الكبرى القادمة في موازين النفوذ العالمي، وما الذي ينبغي للمؤسسين وروّاد الأعمال إيلاؤه اهتماماً أكبر أثناء بناء الشركات والشراكات؟
تتجلى أبرز هذه التحولات في اتساع رقعة النفوذ وتوزعه بشكل أكبر حول العالم؛ إذ تتوزع خيارات الدول اليوم لتصبح أكثر مرونة في تحديد شركائها التجاريين، ومصادر استثماراتها، والمؤسسات التي تتعاون معها، وطريقة رسم مكانتها على الساحة الدولية.
وتمتلك القوى المتوسطة دوراً متنامياً بشكل خاص. فبعض الدول لا تريد أن تحصر كل علاقاتها عبر تكتّل جيوسياسي واحد، حيث قد تقيم روابط اقتصادية قوية مع دولة، وعلاقات أمنية مع أخرى، وشراكات استثمارية مع ثالثة. وهذا يمنحها هامشاً أوسع لبناء علاقات مع دول مختلفة والسعي إلى تحقيق أهدافها الخاصة.
ونشهد تحولات مماثلة في مجالَي التمويل والتجارة مع تزايد النقاش حول تسوية الصفقات بعيداً عن نظام الدولار التقليدي، إلى جانب تطوير مؤسسات وشراكات إقليمية جديدة. ولا يعني ذلك أن النظام الدولي القائم سيختفي فجأة، لكنه يعني أن الدول تملك خيارات أكثر، وهو ما قد يغيّر تدريجياً مواقع النفوذ وطريقة بناء العلاقات الدولية.
ولمعرفة الاتجاه الذي تسير وفقه الأمور، لابدّ من متابعة عدد من المؤشرات منها: أماكن استثمار الحكومات، وأي الدول تبني روابط أقوى، وأماكن خطوط النقل الجديدة، وما هي القطاعات التي تحظى بالأولوية. فهذه التطورات قد تكشف عن الاتجاه الذي يسلكه سوق ما أكثر مما يخبرنا به حجمه أو أداؤه الاقتصادي الحالي وحده.
كيف يمكن لدول لجنوب العالمي ألا تكتفي بالحضور في الحوار الدولي، بل أن تتولى قيادته وتوجيه مساره بنفسها؟
المشاركة في الحوار الدولي أمر مهم، لكن للمساهمة في صياغته لابدّ من تحديد ما يُطرح من قضايا، وما يُثار من أسئلة، ومن يُستمع إلى خبراته. وهذا يتطلب مزيداً من المنصات والعلاقات التي تتيح للأفراد والمؤسسات في أنحاء الجنوب العالمي تقديم خبراتهم مباشرة إلى الجمهور الدولي.
تَستهدف مبادرة«Source Her» معالجة التهميش الإعلامي للخبيرات الأفريقيات، حيث تُسهّل على الصحفيين الوصول إلى كفاءات نسائية من مختلف المجالات والتواصل معهن. وتُسهم هذه الخطوة في تنويع وجهات النظر والمعارف المعروضة في التغطيات العالمية؛ إذ يؤثر اختيار المتحدث في قضية ما بشكل مباشر على طريقة فهم العالم لها.
يشكّل هذا المبدأ ركيزة أساسية في البرنامج؛ إذ نهدف إلى نقل أصوات صناع القرار والباحثين ورواد الأعمال والخبراء المشاركين في صناعة التغيير مباشرة إلى الجمهور. وبالنسبة لي، تبدأ صياغة الحوار حين نقدّم أفكاراً وخبرات ورؤى أصيلة يتفاعل معها العالم.

