– د. يحيى عنوتي – الشريك في ستراتيجي& ورئيس قطاع الطاقة والموارد والاستدامة بمنطقة الشرق الأوسط
– د. أندريه دوربيك – المدير الأول في ستراتيجي& الشرق الأوسط
مع احتدام الصراع بمنطقة الشرق الأوسط، تصدرت أزمة مضيق هرمز اهتمام العالم باعتباره شريانًا حيويًا لتأمين إمدادات النفط والغاز. غير أن تداعيات الأزمة لم تقتصر على هذا الحد، بل امتدت لتشمل مواد أخرى لا تقل أهمية – منها الهيليوم والكبريت والأمونيا – نظرًا لتركّز إمداداتها في منطقة الخليج. وسرعان ما تسببت اضطرابات الإمداد في أزمات خانقة للاقتصاد العالمي؛ ما يبرز الحاجة إلى إيجاد آليات تضمن استمرارية تدفق هذه السلع وتعزز مرونة تداولها باعتبار ذلك أولوية استراتيجية لدول الخليج وشركائها حول العالم.
وفقًا لتقديراتنا، تتجاوز قيمة البرامج الصناعية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المتأثرة باضطراب الإمدادات الخليجية 300 مليار دولار أمريكي، دون أن تشمل هذه التقديرات المنظومات الدفاعية التي تعتمد بدورها على هذه المواد كعنصر أساسي. وتتركز تداعيات هذه الاضطرابات – في المقام الأول – على ست مواد رئيسية هي الهيليوم، والكبريت، والأمونيا، والبولي أوليفينات، والميثانول؛ وهي مواد تدخل في مجموعة كبيرة من الاستخدامات من الرعاية الصحية وأشباه الموصلات إلى صناعة السيارات؛ إذ يعتمد عليها كل مصنع كبير للرقائق الإلكترونية، وكل منظومة دفاعية متطورة، وكل جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي باعتبارها نواتج أساسية لعمليات تكرير النفط والغاز. ومع أي تعطل في هذه العمليات، تتراجع إمدادات تلك السلع متسببةً في سلسلة من التداعيات غير المباشرة التي تطال المنتجات النهائية الحيوية للاقتصاد الحديث.
فعلى سبيل المثال، يُستخدم الهيليوم في تصنيع الرقائق الإلكترونية والتطبيقات الطبية فائقة البرودة، فيما تنتج دولة قطر وحدها أكثر من 30% من الإمدادات العالمية من هذا الغاز الحيوي. كما يُعد الكبريت من المواد الأساسية، ويمر نحو 50% من تجارته العالمية المنقولة بحرًا عبر مضيق هرمز. ويُستخدم حمض الكبريتيك عالي النقاء في قطاع أشباه الموصلات بوصفه عنصرًا رئيسيًا في تنظيف الرقائق وتصنيع الإلكترونيات الدقيقة، كما يدخل في الصناعات العسكرية كمكوّن في الوقود الصاروخي الصلب، وفي قطاع السيارات الكهربائية لإنتاج كاثودات النحاس والبطاريات. إضافة إلى ذلك، تُستخدم الأمونيا عالية النقاء في تصنيع أشباه الموصلات، فضلًا عن كونها مادة وسيطة في صناعة المستحضرات الدوائية ويمر نحو 13% من إمداداتها العالمية عبر المضيق.
وكردّ فعل على مخاطر النقص الحاد في الإمدادات، شهدت أسعار هذه المنتجات الستة ارتفاعات ملحوظة منذ الصراع في 28 فبراير؛ إذ قفزت الأسعار الفورية للهيليوم بنحو 50% خلال الشهر الماضي، فيما ارتفعت أسعار الكبريت بنحو 25%. ولم تتأخر انعكاسات هذه الاضطرابات، حيث بدأت صناعات بأكملها – وفي مقدمتها قطاع أشباه الموصلات – في التأثر سريعًا في ظل غياب احتياطيات استراتيجية لهذه السلع، على عكس ما هو معمول به في أسواق النفط.
وفي ضوء ما سبق، يستعرض هذا المقال الإجراءات التي يمكن لدول الخليج تبنّيها لترسيخ موقعها كشريك استراتيجي في تأمين إمدادات مرنة ومستدامة من هذه المواد، والحد من تكرار مثل هذه الأزمات الخانقة. وترتكز هذه الإجراءات على أربع أولويات عاجلة تستدعي تحركًا سريعًا من دول المنطقة لضمان جني ثمارها وتحقيق أثر ملموس على المديين المتوسط والبعيد.
تتمثل الأولوية الأولى في تبنّي نماذج تسعير تركز على المرونة بدلًا من التسعير القائم على الكميات. وفي هذا السياق، يتعين على المنتجين وصنّاع السياسات في دول الخليج العمل مع القطاعات الأكثر عرضة لاضطرابات الإمداد للانتقال من نماذج التسعير المعيارية إلى اتفاقيات شراء متدرجة تضمن استمرارية الإمدادات بوصفها ضرورة ومصلحة استراتيجية. وعمليًا، يمكن تبنّي أطر لتخصيص الإمدادات وفقًا لأولوية القطاعات – مثل أشباه الموصلات والدفاع والرعاية الصحية – إلى جانب اعتماد ترتيبات طارئة للتعامل مع الارتفاعات المفاجئة في الطلب واضطرابات الإمداد، فضلًا عن بناء احتياطيات استراتيجية حيثما أمكن. ورغم أن تطبيق هذه الإجراءات لا يخلو من التحديات، خاصة في ظل صعوبة وارتفاع تكلفة تخزين بعض السلع – مثل الهيليوم – فإن المبدأ العام يظل واضحًا: إذا كانت هذه المواد مهمة للمنظومة الاقتصادية ككل، فلا بد من إعادة تصميم النموذج التجاري المرتبط بها بما يعكس هذا الواقع.
تتخذ الأولوية الثانية بعدًا صناعيًا يتمثل في توجيه المزيد من أنشطة رفع القيمة، والتنقية، والمعالجة، والبحث والتطوير المشترك إلى مواقع أقرب لقاعدة المواد الأولية في الخليج؛ علمًا بأن المنطقة تجمع بالفعل بين عنصر القرب من مصادر المواد الأولية والمزايا الهيكلية في تكاليف الطاقة. ومن شأن هذا التوجه تحقيق قيمة أعلى من عمليات التنقية بنسبة متوسطة لبعض المواد إلى أكثر من عشرة أضعاف في المنتجات الأعلى تخصصًا.
وثالثًا، ينبغي على قادة دول الخليج بحث فرص الشراكة مع الحكومات الأخرى بما يشمل إبرام اتفاقيات ثنائية لتأمين إمدادات المواد الحيوية؛ وبما يجعل إنتاج المنطقة من هذه المواد جزءًا لا يتجزأ من الأطر الوطنية للدفاع والبنية التحتية الحرجة للدول الأخرى، ومن الأمثلة على ذلك قانون الرقائق الأمريكي (US CHIPS ACT).
- وختامًا، تمثل هذه الأزمة فرصة لإعادة رسم مسارات التجارة العالمية، بما في ذلك إعادة تقييم الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. كما تفرض ضرورة إجراء مراجعة شاملة للمسارات والتدفقات التجارية والأصول المرتبطة بها من منظور يعزز مرونة حركة التجارة وقدرتها على الصمود.
وكخطوة أولى، يتعين على قادة المنطقة الدعوة إلى قمة مغلقة تُعنى بالمواد الحيوية بمشاركة الشركاء المتأثرين بالأزمة – بما في ذلك الحكومات والشركات الصناعية – لبحث الخطوات المقبلة. كما ينبغي على دول الخليج وحلفائها العمل على إنشاء منصة متخصصة للمواد الحيوية تتيح المتابعة اللحظية للإنتاج والتدفقات والمخزونات والاضطرابات؛ بما يعزز مستوى الشفافية ويوفر قدرًا أكبر من الوضوح لجميع الأطراف المعنية.
تهدف هذه الإجراءات إلى تجاوز مواطن الهشاشة القائمة والانتقال إلى نماذج أكثر مرونة واستدامة في تأمين الإمدادات؛ بما يسهم في تحقيق نتائج إيجابية – بل وضرورية – لمواجهة أزمة الاختناقات الراهنة في مضيق هرمز.



