تقف ليبيا اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع آثار أكثر من عقد من الاضطراب السياسي مع تحديات بنيوية عميقة. فمنذ انهيار السلطة المركزية، لم تتوقف مظاهر التفكك المؤسسي، ولا انقطاع السياسات العامة، ولا التآكل التدريجي في الثقة بين الدولة والمجتمع. ومع تعدد الإدارات، وضعف هياكل الحوكمة، وتزايد تسييس مؤسسات الدولة، لم يتباطأ مسار التعافي فحسب، بل أصبح التخطيط طويل الأمد نفسه ترفًا صعب المنال.
على مدى عقود، كان التعليم أحد أعمدة مشروع بناء الدولة الليبية. استثمرت ليبيا فيه بسخاء، فأوفدت طلابها إلى الخارج، وأنشأت معاهد متخصصة، وربطت التعليم بالحراك الاجتماعي وصناعة النخب. غير أن هذا الإرث، الذي مثّل في زمن مضى مصدر قوة واستقرار، بات اليوم تحت ضغط شديد، في ظل تراجع القدرة المؤسسية واختلال الأولويات.
ضمن هذا الواقع، لجأت ليبيا إلى القنوات الخارجية بوصفها أداة أساسية لإعادة بناء رأس المال البشري. وكان نظام المنح الدراسية في مقدمة هذه الأدوات، حيث أوفدت الدولة آلاف الطلاب إلى أنظمة تعليمية متقدمة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا وغيرها، لتعويض ضعف منظومات التدريب المحلية، وضمان عودة كوادر مؤهلة قادرة على سد الفجوات داخل البلاد بعد انتهاء فترة الإيفاد.
بناء القدرات في الخارج تحت قيود واقعية
غير أن بناء القدرات في الخارج لم يكن مسارًا خاليًا من القيود. فمع استمرار عدم الاستقرار السياسي والتدهور الاقتصادي، أصبحت الدولة عاجزة في كثير من الأحيان عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه الطلاب الموفدين، سواء فيما يتعلق بسداد الرسوم الدراسية أو صرف المخصصات في مواعيدها. وقد دفع هذا التعثر عددًا من الجامعات الدولية إلى تصنيف ليبيا كجهة راعية عالية المخاطر، فشدّدت شروطها أو حدّت من القبول، ما وضع المسارات الأكاديمية للطلاب أمام تهديدات مباشرة، ورفع كلفة الاستمرار، وأضعف القدرة على التخطيط الأكاديمي بثقة.
في خضم هذه الظروف الصعبة، برزت نماذج من داخل القطاع العام الليبي حاولت التعامل مع الأزمة بقدر من الواقعية والمرونة، بعيدًا عن الجمود الإداري. ومن بين هذه النماذج، يبرز اسم السيد أيمن الحاضر عمران، الذي مثّل تجربة عملية في إدارة ملف بالغ الحساسية، تقوم في جوهرها على تقليل المخاطر وحماية الاستمرارية التعليمية.
راكم السيد الحاضر عمران خبراته الإدارية والقيادية عبر سنوات من العمل في إدارة البعثات الدراسية بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، قبل أن ينتقل إلى موقع أكثر تعقيدًا حين شغل منصب ملحق أكاديمي في السفارة الليبية بلندن. هناك، واجه نظامًا تعليميًا لا يتسامح مع التأخير، وجامعات تعمل وفق قواعد صارمة، وإجراءات مالية وإدارية محكومة بمعايير امتثال دقيقة. ومع ذلك، خاض مفاوضات مباشرة وعملية للحفاظ على تسجيل الطلاب الليبيين رغم تأخر المدفوعات، وتمكن من التوصل إلى ترتيبات مؤقتة حالت دون تحول العقوبات إلى إجراءات نهائية، بما ضمن استمرار المسار الأكاديمي لعدد كبير من الموفدين.
أتاحت هذه الجهود للطلاب مواصلة تعليمهم رغم الصعوبات، مع التركيز في الوقت ذاته على الحد من هجرة العقول عبر تشجيعهم على العودة والمساهمة في التنمية المحلية فور استكمال دراستهم، بما يعيد وصل الاستثمار التعليمي بأهداف الدولة والمجتمع بدل تحوله إلى مسار هجرة دائمة.
وفي عام 2018، انتقلت هذه المقاربة العملية إلى مستوى مؤسسي أوسع، عندما عُيّن أيمن الحاضر عمران نائبًا لرئيس مركز بناء القدرات (تاجورني) في مالطا، في إطار مبادرة حكومية ليبية هدفت إلى معالجة التدهور الذي أصاب المركز واستعادة دوره في بناء رأس المال البشري.
النجاحات والانجازات التي قادها في معهد تاجوني أدّت إلى تعيينه مديراً عاماً للمعهد في عام 2021 وهو منصب مكنه من الإسهام بشكل أكثر فعالية في النهوض بالمركز وإصلاحه.

مركز تاجورني جزء من الحضور التعليمي الخارجي لليبيا
يُعد مركز بناء القدرات (تاجورني) جزءًا من الحضور التعليمي الخارجي لليبيا منذ عقود. فقد أُنشئ الموقع في أربعينيات القرن الماضي، قبل أن تستحوذ عليه ليبيا عام 1976. ومع مرور الوقت، تطورت مهمته لتشمل التدريب المهني والبرامج العملية. غير أن الإهمال وسوء الإدارة أدّيا إلى تراجع تدريجي في أدائه، فتدهورت البيئة التعليمية، وتعطلت البنية التحتية، وتراجع عدد الطلاب، إلى أن أُغلق المركز فعليًا بين عامي 2013 و2016.
لم يكن استئناف العمل لاحقًا كافيًا لمعالجة الخلل الجوهري. فالحاجة كانت ماسة إلى إعادة هيكلة شاملة وإصلاح يضمن تفعيل المركز على أسس مستدامة. هنا تحديدًا أصبح دور أيمن الحاضر محورياً، إذ لم يكن المركز بحاجة إلى إدارة تقليدية تكتفي بتسيير الأعمال، بل إلى قيادة تنفيذية قادرة على التعامل مع تعقيدات المشهد الليبي، وتوظيف الموارد المحدودة بكفاءة، وتأمين الدعم الحكومي اللازم، ضمن اشتراطات تشغيلية ومعايير امتثال تفرضها البيئة الأوروبية.
تحت إشرافه كنائب للرئيس، وبمبادرته لتحمل مسؤولية الإصلاح، أُطلقت عملية إعادة تأهيل شاملة. وبإجراءات واضحة وحازمة، جرى تجاوز تحديات تراكمت على مدى سنوات طويلة، ومنع سقوط المركز مجددًا في دوامة التعطيل أو سوء الاستخدام. ونجحت هذه الجهود في تحويله إلى حرم تعليمي يعمل بكفاءة، يوفر تدريبًا مستدامًا بمعايير موثوقة، وإدارة تشغيلية متوافقة مع متطلبات الامتثال في الساحة الأوروبية، بما يعيد بناء الثقة في المؤسسة بوصفها أصلًا عامًا منتجًا لا عبئًا متجددًا.
اكتسب هذا التحول بعدًا اقتصاديًا وإصلاحياً مهمًا. فقد أصبح مركز تاجورني آلية عملية لنقل القدرات، تستضيف مجموعات موفدة من مؤسسات عامة ليبية وهيئات مرتبطة بالدولة، إلى جانب متدربين وطلاب من تخصصات مختلفة. ويعكس حجم المركز مستوى الطموح القائم، إذ يمتد على مساحة تقارب 37 ألف متر مربع، ومهيأ لخدمة نحو 900 متدرب أو طالب، مع مرافق خدمية وتدريبية متكاملة تضمن نقل المعرفة بشكل عملي وفعّال.

ولا تتوقف الرؤية عند هذا الحد. فالمسار المستقبلي الذي يعمل عليه أيمن الحاضر عمران، من خلال تشكيل فريق مهني محترف، يتجه نحو جعل مركز تاجورني نقطة انطلاق لإنشاء جامعة متوسطية رائدة، تمثل نموذجًا للتعاون الأكاديمي، وتشكل فضاءً للدراسات العليا في المجالات الحديثة، وتستقطب أساتذة وطلبة من جنسيات متعددة، بما يمنح ليبيا نافذة مؤسسية مستقرة لبناء المعرفة خارج حدود الاستقطاب الداخلي.
لماذا يهم هذا الآن
ختامًا، ورغم عمق التحديات البنيوية التي يواجهها قطاع التعليم وبناء القدرات في ليبيا، فإن التجارب العملية، مثل نموذج مركز تاجورني، تؤكد أن مساحات الأمل لا تزال قائمة. فوجود كفاءات قادرة على العمل من داخل مؤسسات القطاع العام، وتحويل الأصول المهملة إلى منصات منتجة، وإدارة التحديات بدل الاستسلام لها، يشكل أساسًا واقعيًا لإعادة بناء السياسات التعليمية على أسس أكثر فاعلية. وفي بلد يمر بظروف استثنائية، يظل التعليم ورأس المال البشري أفضل شبكة أمان وطنية، وخيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه لضمان استمرارية الدولة، والارتقاء بجودة المخرجات، وتسخير أثمن ما تمتلكه ليبيا اليوم: الإنسان الليبي نفسه.

