- المهندس فليزاردو أورتيثو جونيور، مدير أول للعمليات في شركة الفطيم العقارية
- المهندس زيشان عمر إنامدار، مدير الاستدامة للمجموعة لدى “الفطيم
يجد قطاع العقارات التجارية نفسه عند تقاطع مسؤوليات الطاقة والنفايات والنقل والحياة المجتمعية. وإذا كانت المنطقة جادة في مساعيها نحو الحياد الكربوني، فعلى مراكز التسوق أن تتطور من كونها مستهلكاً كبيراً للموارد إلى مشغّل منضبط للبيانات والكربون والمواد. هذا التحول لا يعني مجرد إطلاق الشعارات الهادفة، بل التحول إلى أساليب تشغيلية تضمن تحقيق نتائج قابلة للقياس يستفيد منها العملاء والمستأجرون، والمدينة بشكل عام.
التعامل مع الاستدامة كنظام تشغيلي
الفكرة بسيطة: التطرق إلى ممارسات الاستدامة كتحدٍّ هندسي وإداري لا كحملة تسويقية. ومن هنا، يتوجب تحديد الأهداف بالكيلوواط الساعي، والأطنان، والأجزاء بالمليون، ونشرها وربطها بالتكلفة والراحة وجودة الخدمة. عندما يحدث ذلك، يتحسن الأداء بسرعة ومصداقية.
ولا تتطلب المكاسب الكبرى اختراقات مستقبلية؛ بل تأتي من القياس والتحكم والتوليد الذكي. يبقى نظام التدفئة والتهوية والتكييف المحسَّن أقوى وسيلة تمتلكها معظم المراكز التجارية. فأنظمة التحكّم المعزَّزة بالذكاء الاصطناعي توازن بين الراحة والأحمال لحظياً وتوفّر خفضاً مستداماً من دون إنفاق كبير في رأس المال. كما أن إضافة الألواح الكهروضوئية على الأسطح ومواقف السيارات تجعل المركز مُنتِجاً جزئياً للطاقة، ما يقلّص الطلب على الشبكة والانبعاثات. والخلاصة واضحة: التعامل مع الطاقة كمنتجٍ نتولى إنتاجه وإدارته وتسعيره.
تُعامَل إدارة النفايات غالباً كمرحلة نهائية عند رصيف التحميل، وهذه فرصة مهدرة. والطريقة المضمونة لتقليص ما يصل إلى المكبات هي العدّ الشامل، والفرز المبكر، وفتح مسارات قيمة لكل تيار. لدينا رفعَ التتبعُ الآلي والفرزُ المنضبط معدلات التحويل بعيداً عن المكبات: تُرسل المواد العضوية للتسميد، ويُحوَّل زيت الطهي المستعمل إلى ديزل حيوي، وتُوجَّه البقايا إلى استرداد الطاقة أو إلى وقود مُشتق من النفايات للصناعة. وبهذا، يتم تحسين إدارة التكلفة، والجاهزية التنظيمية، وحماية السمعة ضمن منظومةٍ واحدة.
التعاون مع المستأجرين لتوسيع الأثر
لا يمكن للمالكين تحقيق أهدافهم دون المستأجرين. لذا، يجب بناء نموذج تشغيلي يجمع بين معايير واضحة للحد الأدنى وحوافز مشجّعة. يُفضَّل أن يتضمّن نموذج التشغيل مشاركة لوحات المتابعة وتصميم العمليات الخلفية بالتعاون مع علامات الأطعمة والمشروبات والموضة الرئيسة، نظراً لأنها تشكّل القطاعات الأكثر استهلاكاً للطاقة وإنتاجاً للنفايات. كما يُستحسن مكافأة أصحاب الأداء المتميّز وتوجيه الفوائد إلى المجالات الأكثر تأثيراً، بما يجعل الأهداف البيئية جزءاً من الممارسة اليومية ويُحدث أثراً ملموساً في المجتمع.
الهواء الصحي
يقضي الناس ساعاتٍ طويلة في المراكز التجارية للتسوق والعمل وتناول الطعام. لذا، أصبح رصد جودة الهواء الداخلي في الوقت الفعلي وترجمته إلى تصنيفات بسيطة مدعومة بإجراءات تصحيحية معياراً أساسياً في الوجهات الرئيسية. وهو ما يتماشى مع اللوائح التنظيمية المعتمدة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ويمنح الزوار والمستأجرين مرجعاً صحياً يمكن قياسه.
ثلاثة أسئلة جوهرية للمشغّلين
أولاً، ما نسبة الطلب على الطاقة التي تُدار فعلياً بواسطة التحليلات وليس وفق جداول ثابتة؟ ثانياً، ما نسبة النفايات التي تُقاس عند المصدر وتُخصص لمسار استخدام محدد؟ ثالثاً، ما نوع الحوافز في عقود الإيجار وبرامج المشاركة التي تزيد من إمكانية تفوق المستأجرين على الحد الأدنى المطلوب؟ إذا كان أي من هذه الإجابات غير واضح، فليكن هذا هو نقطة البداية. فإذا لم تكن لدينا إجابات واضحة على هذه الأسئلة، يمكننا اعتبارها نقطة بداية فعالة.
الكفاءة أهم من الشعارات
لا يتعلق الأمر بالمثالية، بل يتركز حول الإتقان والاهتمام بالتفاصيل. فعندما تُدار المراكز التجارية على أساسٍ من البيانات والانضباط، تنخفض الانبعاثات، وتتراجع التكاليف، ويستمتع الزوّار ببيئاتٍ أنظف وأكثر راحة. ولعل هذا هو الأسلوب الأمثل لتحديد المعايير الحقيقية. في الفطيم العقارية، تشكّل هذه الفلسفة التشغيلية جوهر نهجنا، إذ أسهم الجمع بين منصة متقدمة لإدارة الطاقة واستبدال أنظمة الإضاءة بمصابيح LED في خفض الاستهلاك بنسبة تجاوزت الربع، وتحقيق وفورات قاربت 10 ملايين درهم. كما أُعيد تدوير 66% من النفايات، وتحسّنت جودة الهواء لنحافظ باستمرار على تصنيفٍ يفوق 4 نجوم وفق نظام AirZones.
وبذلك، فإن الاستدامة ليست عنصراً هامشياً في قطاع التجزئة، وإنما هي المنطلق الجديد نحو تحقيق التميز التشغيلي ضمن سوق تمضي بخطىً ثابتة نحو الحياد الكربوني.

