لم يكن من الصعب التنبؤ بما يحدث الآن للشركات التي تخزن العملات الرقمية. فقد ارتفعت أسعار الأسهم بسرعة مفرطة، وتضخم الوعود إلى مستويات غير واقعية، وتعقدت الحسابات بشكل مبالغ فيه.
هذه الشركات الجديدة – وهي مؤسسات عامة بُنيت خصيصًا لشراء العملات الرقمية وغالبًا لا تفعل سوى ذلك – كان يفترض أن تمنح المستثمرين وسيلة مربحة لركوب موجة الأصول الرقمية. لكن مع تراجع أسعار أسهمها وانخفاض ثقة السوق، لم يعد السؤال ما إذا كان النموذج يتعرض لضغوط، بل كيف سينهار.
حتى في الوقت الذي تدفع فيه الأصول عالية المخاطر، من الأسهم إلى السندات المطروحة من الشركات، نحو مستويات أعلى قبل خفض متوقع في أسعار الفائدة من الاحتياطي الفيدرالي، تعاني أسهم شركات الخزينة الرقمية من هبوط متواصل، بينما تتراجع قيمة رموزها المشفرة كذلك. ووفقًا لشركة الاستشارات المالية “أركيتكت بارتنرز” (Architect Partners)، فإن 15 شركة خزينة رقمية (DATs) شهدت تراجعًا في أسعار أسهمها بمتوسط 15% خلال الأسبوع الماضي وحده.
الأمثلة على ذلك كثيرة. شركة “ALT5 سيغما” (ALT5 Sigma Corp.) التي تمتلك رمز WLFI المرتبط بمؤسسة “وورلد ليبرتي فاينانشال” (World Liberty Financial Inc.) المدعومة من ترامب، خسرت نحو 50% من قيمتها في أسبوع واحد. شركة الرعاية الصحية “كيندلي إم دي” (Kindly MD Inc.)، التي تحتفظ بعملة البيتكوين من خلال شركتها الفرعية “ناكاموتو هولدينغز”، تراجعت أسهمها بنحو 80% عن ذروتها في مايو. وشركات أخرى مرتبطة بإيثيريوم (Ether) وسولانا (Solana) شهدت تراجعًا مشابهًا، مما أثر بدوره على القيمة السوقية للرموز المدرجة في دفاترها.
زخم غير مدعوم واستثمارات مثيرة للجدل
قال إد تشين، الشريك المؤسس لشركة “باراتاكسيس كابيتال” (Parataxis Capital)، إن السوق الأمريكية تعاني من “عدد مفرط من هذه الشركات مع غياب واضح للتميّز”. وأشار إلى أن شركته مولت مؤخرًا شركة خزينة بيتكوين كورية جنوبية.
انطلقت أكثر من 100 شركة خزينة رقمية هذا العام وحده، معظمها شركات صغيرة أعادت تسويق نفسها فجأة؛ بدءًا من صالونات تجميل يابانية للأظافر، مرورًا بباعة القنّب، وصولًا إلى وكالات تسويق.
لكن على الرغم من هذه التراجعات، لا تزال بعض الشركات قادرة على ركوب موجة المضاربة. فأسهم شركة “إيتكو هولدينغز” (Eightco Holdings Inc.) قفزت بنسبة تفوق 3000% في يوم واحد بعد إعلان خطتها لشراء عملة “وورلد كوين” (Worldcoin) وتعيين المحلل الشهير دان آيفز عضوًا في مجلس إدارتها.
تقلص وتيرة شراء البيتكوين
يرى بعض المستثمرين أن النموذج لا يزال جذابًا، إذ إن التداول العام يمنح المستثمرين فرصة للتعرض للعملات المشفرة في قالب مألوف من الأسهم مع إمكانية مضاعفة الأرباح. ومع ذلك، بدأت المزايا تتآكل مع تزاحم عدد كبير من الشركات التي لا تقدم سوى الرموز التي تحتفظ بها. ومع هبوط الأسعار، بدأت الثقة التي حافظت على العلاوات السعرية تتلاشى.
كشفت بيانات جديدة أن النموذج بدأ يفقد زخمه فعليًا، ليس فقط من حيث ثقة السوق بل أيضًا في وتيرة شراء البيتكوين. ووفقًا لـ”كريبتو كوانت” (CryptoQuant)، اشترت شركات الخزينة الرقمية 14,800 بيتكوين فقط في أغسطس، مقارنة بـ66,000 في يونيو. كما انخفض متوسط حجم الصفقات إلى 343 بيتكوين الشهر الماضي، أي بتراجع 86% عن ذروة 2025. وتباطأ معدل تراكم البيتكوين بشكل حاد من 163% في مارس إلى 8% فقط في أغسطس.
خلال الأشهر الأخيرة، توسعت العديد من هذه الشركات في مجالات أكثر خطورة. فقد بنت شركات الإقراض والوساطة والمشتقات المشفرة نظامًا تمويليًا خاصًا لهذه المؤسسات يشمل قروضًا مدعومة بالبيتكوين، وأدوات قابلة للتحويل مرتبطة بالرموز، وآليات دفع مركبة. بالنسبة للبعض، توفر هذه الأدوات مرونة وسرعة لا توفرها البنوك. لكن بالنسبة للآخرين، تحولت إلى مقامرة محفوفة بالمخاطر، تضيف طبقات جديدة من عدم اليقين إلى أصول متقلبة أصلًا.
ابتكارات مالية محفوفة بالمخاطر
أصدرت شركة “سمارتر ويب” (Smarter Web Co.)، وهي شركة تصميم مواقع بريطانية تمتلك بيتكوين، سندًا مقومًا بقيمة العملة المشفرة بدلًا من الجنيه الإسترليني. وهذا يعني أنه كلما ارتفع سعر البيتكوين، زادت قيمة ديون الشركة. وأوضح المدير التنفيذي أندرو ويبلي أن 5% فقط من احتياطيات الشركة معرّضة لهذه الأداة، مؤكدًا أنها أقل خطورة من الديون التقليدية.
أما شركة “DDC إنتربرايز” (DDC Enterprise Ltd.)، التي كانت سابقًا متخصصة في الوجبات، فتمكنت من الوصول إلى أكثر من مليار دولار عبر مزيج من الديون وخطوط التمويل والعروض، لكنها شهدت انهيارًا في أسهمها بعد صعود مؤقت.
من جهتها، بدأت بورصة ناسداك، حيث تُدرج العديد من هذه الشركات، بفرض شرط على بعض الشركات المالكة للرموز للحصول على موافقة المساهمين قبل إصدار أسهم جديدة لتمويل مشتريات التوكنات. ويُعد هذا النموذج القائم على بيع الأسهم حجر الأساس لطريقة تمويل هذه الشركات دون اللجوء إلى الديون.
تراجع القادة وظهور بدائل التمويل
شهدت شركتا “استراتيجي” (Strategy) و”ميتابلانيت” (Metaplanet Inc.)، وهما من أبرز الشركات في هذا المجال، تراجعًا حادًا في أسهمهما مؤخرًا بعد فترة ازدهار خلال العام الماضي، ما يدل على أن حتى اللاعبين الكبار ليسوا محصنين ضد تغير المزاج العام. وبدأت بعض الأصوات تتحدث عن احتمالية اندماجات مستقبلية، مع استمرار تعثر الشركات الأضعف وسعي الأقوى منها للاستحواذ على رموز منافسيها.
ورغم تلبية “استراتيجي” لمعايير الإدراج، تم استبعادها من مؤشر ستاندرد أند بورز 500 في المراجعة الأخيرة، فيما لم تحقق أسهمها أي تقدم منذ أبريل رغم صعود البيتكوين، مما أدى إلى انخفاض نسبة قيمة البيتكوين إلى القيمة السوقية (mNAV) إلى نحو 1.5. وفي بداية الأسبوع، اشترت الشركة بيتكوين بقيمة 217 مليون دولار عبر طرح أسهم مباشر.
من جانب آخر، تشهد شركات الإقراض المشفر ارتفاعًا في الطلب من هذه الشركات. وأكد ألكسندر بلوم، المدير التنفيذي لشركة “تو برايم” (Two Prime) أن شركات الخزينة الرقمية أصبحت مجالًا متناميًا لأعمالهم، حيث يقدمون قروضًا مدعومة بالبيتكوين تتراوح بين 10 ملايين و500 مليون دولار، ولديهم حاليًا قروض نشطة بقيمة 1.25 مليار دولار.
مستقبل غامض وثقة متآكلة
لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا النظام التمويلي الجديد سيطيل عمر النموذج أم أنه مجرد تأجيل للانهيار. ففي الوقت الراهن، قد لا نشهد انهيارًا صاخبًا بقدر ما سيكون تلاشيًا تدريجيًا، مع استمرار تراجع أسعار الأسهم وتباطؤ وتيرة شراء الرموز.
ويجد بعض المستثمرين صعوبة في تبرير هذه الاستثمارات. إذ يتساءلون: لماذا يشترون عملات مشفرة عبر شركات مثقلة بالمصاريف والمخاطر وتخفيف الأسهم، بدلًا من امتلاك العملات مباشرة أو عبر صندوق متداول؟ وقال ترافيس كلينغ، المدير التنفيذي للاستثمار في “إيكيغاي أسيت مانجمنت” (Ikigai Asset Management): “حاولت إقناع نفسي بشراء بعض هذه الشركات، لكنني لم أصل إلى قرار. ربما لن أصل أبدًا”. وأضاف أن الأمر برمته يبدو وكأنه “الأنفاس الأخيرة لدورة لم تجد ما تقدمه سوى هذه الحماقة”.
المصدر: Investing.com

