أبوظبي – خاص
فاطمة عبود المهري – مستشار ومحكم تجاري دولي
تمثل المناقصات الحكومية في العصر الحديث أدوات إستراتيجية بالغة الأهمية تستخدمها الحكومات والمؤسسات الكبرى لتوجيه دفة التنمية الإقتصادية ، فلم تعد المناقصات مجرد عمليات إدارية روتينية لإسناد للمشاريع والخدمات وشراء التوريدات بل تحولت إلى بوصلة تحدد اتجاه النمو الإقتصادي للبلاد .
فإدارة المناقصات بكفاءة لا يعكس فقط كفاءة تشغيلية وقدرة على إدارة الموارد المالية للجهات الطارحة، بل تجسد إلتزاما وطنيا راسخا بتعزيز بيئة اقتصادية تنافسية ،حيوية ومستدامة ، هذه البيئة السليمة هي الأساس الذي تدعم من خلالة رؤية الدولة في خلق اقتصاد قوي قادر على الصمود في وجة المتغيرات العالمية ، مما يعزز مكانتها الاستراتيجية على الخارطة الدولية ويضمن تدفق الاستثمارات .

من منظور صانع القرار تعد إدارة المناقصات أداة فعالة بالغة الأهمية ، يتم من خلالها تحفيز القطاعات الاقتصادية الواعدة ، وتطوير البنية التحتية الوطنية ، التي تعتبر العمود الفقري لأي نهضة تنموية من خلال هذه الأداة يتم تعزيز ثقافة الشفافية ، وتكافؤ الفرص في سوق العمل، مما يعزز ثفة المستثمرين المحليين والدوليين على حد سواء ، هذه الثقة تخلق بيئة أعمال جاذبة تترجم الطموحات الوطنية إلى انجازات ملموسة على ارض الواقع ، وهو ما يسهم بشكل مباشر ومؤثر في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي وتنويع مصادر الدخل .
وبالتالي اصبح الإلتزام بمعايير الحوكمة والشفافية ضرورة حتمية وليس خياراً فالمؤسسات والكيانات الاستثمارية التي تتبنى ثقافة امثتال قوية واستباقية تحظى بأولوية مطلقة في المناقصات الحكومية الكبرى ، هذا الإلتزام يجعلها تتمتع بتسهيلات ائتمانية وتمويلية أفضل من البنوك العالمية وتكون بمنائ عن الغرامات والانهيارات التي تعصف بالكيانات الاقتصادية الضخمة التي تفتقر إلى هذه المعايير .
علاوة على ذلك فإن المشهد الإقتصادي يشهد تحولا جذريا ، إذ أن المناقصات اليوم لم تعد حكرا على الكيانات الكبرى أو الشركات العملاقة , فالتوجة الاستراتيجي الحديث يميل بذكاء نحو خلق شراكة تكاملية تقتح المجال لرواد الأعمال والمبتكرين والشركات الوطنية الطموحة والمؤسسات الصغيرة ، للمشاركة الفعالة في صياغة ملامح الإقتصاد الوطني ، هذا الانفتاح المدروس ليس مجرد دعم الشركات الناشئة كمسؤولية مجتمعية ، بل هو بحث جاد عن افضل الحلول الإبتكارية والمرنة التي تساهم في رفع كفاءة الانفاق الحكومي وتحقيق الأهداف التنموية بأعمال مستويات الأمان والجودة والتكلفة الفعالة .
كما ويعد التشريع القانوني المحرك الاستراتيجي لرأس المال والحصن المنيع لحماية الثروات والضامن الأول لاستدامة المشاريع الكبرى ، ففي ظل التحولات الإقتصادية العالمية المتسارعة لم يعد التشريع مجرد أداة تنظيمية تقليدية ، فرأس المال بطبيعة الدقيقة يبحث دائما عن البيئات التي تتسم بالتنافسية والشفافية المطلقة ، ووجود قانون واضح ومستقل يحكم الشراكة بين القطاعين العام والخاص ويبعث برسالة طمأنينة قوية لأصحاب رؤوس الأموال ، مفادها أن استثماراتهم محمية بقوة القانون ضد أي تقلبات إدارية مفاجئة أو قرارات بيروقراطية ، وأن هناك آليات تحكيم دولية ومحلية واضحه وشفافة لفض اي نزاعات محتملة ، تطبق المعايير العالمية التي تحصن العقود من البطلان أو التعديل التعسفي.
إن القرار الاستثماري الناجح لا يمكن أن ينفصل بأن حال من الأحوال عن الرؤية القانونية الثاقبة ، هذا التداخل يتطلب من صناع القرار واصحاب رؤوس الأموال تنبى نهج استراتيجي تشاركي ومتقدم، فالهدف الأسمى من هذه الشراكات والمناقصات لم يعد مجرد تعظيم الارباح السريعة للشركات أو انجاز مشاريع قصيرة الأجل ، بل يتجاوز ذلك نحو بناء بيئة اقتصادية صلبة ومستدامة تحميها سيادة القانون .
هذه البيئة المستدامة تديرها الحوكمة ، ويدعمها تشريع مرن قادر على استيعاب ومواكبة المتغيرات التكنولوجية والاقتصادية العالمية ، الغاية النهائية هي أن تكون المنظومة المتكاملة التي تبدأ من طرح المناقصة وتنتهي بتسليم المشروع صرحا آمنا ومثمرا يضمن تعظيم الثروات الوطنية ونقلها بأمان للأجيال القادمة .

