في الاقتصادات النامية، نادرًا ما يكون “عنق الزجاجة” هو ضعف الخيال، بل هو غياب الموثوقية.
نحن جميعًا نعرف القواعد الأساسية للعبة: عقودٌ مُحكمة، وشفافيةٌ في المشتريات، وحساباتٌ مُدقَّقة، ودفعاتٌ تصل في موعدها، وخدماتٌ لوجستية تنجز المهمة، وخدماتٌ لا تتوقف عن العمل. حينما تختل هذه الأساسيات، لا تكون ضريبة ذلك مجرد فرضية نظرية؛ بل واقعًا مؤلمًا تتضخم فيه التكاليف، ويتردد فيه رأس المال، ويتحول مسار النمو إلى مفاوضات يومية شاقة ضد المعوقات.
هنا تحديدًا صنع خوليو ألونسو أورتيغا اسمه، مجادلًا بأن هذه التفاصيل هي الساحة التي تُحسم فيها معركة التنمية.
بصفته شريكًا في القبس للاستشارات والتدريب، يقف أورتيغا موقف المشكك من ذلك الهوس العالمي بمطاردة “شركات اليونيكورن” (الشركات المليارية) القادمة، خاصة في أسواق لا يزال “حُسن التنفيذ” فيها هو العملة الأكثر ندرة. ومعادلته هنا بسيطة: الطموح ضرورة، لكن الأساسيات هي سيدة القرار.
تنبع مصداقية أورتيغا من خلفية تجمع بين حدة المنافسة وعمق التحليل. فقبل عمله الاستشاري، خاض منافسات الإبحار الشراعي على أعلى المستويات، وحاز لقبًا عالميًا في سباقات الفرق؛ تلك الرياضة التي لا تقوم إلا على التناغم الدقيق واتخاذ القرارات الحاسمة تحت الضغط. وقد صقل هذه الخبرة بدراسات عليا في الاقتصاد السياسي للأسواق الناشئة بجامعة “كينغز كوليدج لندن”، ليركز اهتمامه على الحوافز، والمؤسسات، وميكانيكا الإنجاز.
في هذا الحوار، تتحدث مجلة رواد الاعمال معه حول فلسفة “الأساسيات” كميزة تنافسية، ولماذا يكون العائد الأعلى في الاقتصادات النامية غالبًا رهنًا ببراعة التطبيق، لا الاختراع.
س: ما الرابط بين الفوز ببطولة عالمية في الإبحار وبين اقتصادات لا تزال تتلمس طريقها لبناء المؤسسات؟
ج: الإبحار يفرض عليك الوضوح. في البحر، لا تملك رفاهية الوقت؛ الظروف تتبدل في ثانية، والنتائج فورية، والأعذار لا تحميك من الاصطدام بصخرة الواقع. سر الفوز ليس سحرًا، بل هو إتقان البديهيات تحت الضغط: أن يعرف كل فرد دوره، أن يكون التواصل دقيقًا، والقرار حاسمًا في توقيته. وهذا بالضبط هو جوهر المؤسسات الناجحة: قدرتها على العمل بانتظام وتكرار السلوك المنضبط حتى وإن كانت الظروف متقلبة.
س: حين نسمع كلمة “تنمية”، يقفز للأذهان فورًا “الابتكار”، لكنك تركز دائمًا على “التنفيذ”. لماذا؟
ج: لأن التنفيذ هو العامل المُضاعِف للقيمة. أنت قادر على استيراد أحدث التقنيات، والسياسات، ونماذج العمل.. لكن لا توجد حاوية شحن في العالم يمكنها أن تجلب لك الانضباط أو حس الملكية. المشهد يتكرر دائمًا: مشتريات هشة تعني تسربًا للأموال. تقارير غير موثوقة تعني توجيهًا خاطئًا للاستثمار. صيانة تعتمد على رد الفعل تعني بنية تحتية تتهالك أسرع مما تُبنى. هذه ليست تفاصيل إدارية هامشية؛ هذه هي العوامل التي تحدد تكلفة المعيشة وتكلفة ممارسة الأعمال في أي بلد.
س: أنت تتحدث عن “مراجحة أجدى”. المصطلح قد يوحي بالانتهازية والربح السريع. ما الذي تقصده تحديدًا؟
ج: أتحدث عن سد الفجوة بين المعايير العالمية وواقع التنفيذ المحلي. في الاقتصادات النامية، الفرصة الحقيقية لا تكمن في ابتكار فئة منتجات جديدة، بل في الاتساق التشغيلي. القيمة الحقيقية تُخلق عندما تأخذ أنظمة مُثبتة عالميًا (في الحوكمة، أو التمويل، أو الخدمات) وتنجح في تطبيقها محليًا. الموثوقية هي خندق الحماية الحقيقي لأي شركة.
س: أين تكمن المغالطة الكبرى في الحديث عن الابتكار؟
ج: المغالطة هي الخلط بين الحداثة والتقدم، وبين الشكل والجوهر. نرى مؤسسين يطاردون المزايا الجديدة وجولات التمويل، ثم يصطدمون بعجزهم عن تقديم الأساسيات عند التوسع. الابتكار الحقيقي مسار مكلف وبطيء. لا يمكنك فرض الإبداع بالقوة، ولا يمكنك القفز فوق مراحل الإتقان. في الاقتصادات النامية، الطريق الأسرع لإحداث الأثر هو إزالة المعوقات، وليس اختراع مسميات رنانة.
س: كيف تميز بين الميزة التنافسية المؤقتة والقيمة المؤسسية الحقيقية؟
ج: المعيار هو الاستدامة: اسأل نفسك ما الذي يتبقى حين تزول الميزات السهلة؟ حين ينتهي العقد، أو تُلغى فوارق الأسعار، أو يقوم المنافس بنسخ منتجك. قيمة المؤسسة تكمن فيما يتبقى بعد ذلك: الثقة، والعمليات المنهجية، والقدرات، ونظام تشغيل قادر على إنتاج النتائج بموثوقية تامة. العمل الذي يعتمد نجاحه على الجهود البطولية للأفراد هو عمل هش. أما العمل الذي يعتمد على الكفاءة الروتينية، فهو يحقق عائدًا تراكميًا.
س: أعطنا مثالًا يوضح كيف تظهر هذه الأساسيات في واقع الأعمال.
ج: العمليات التشغيلية المادية هي خير معلم. رواد الأعمال غالبًا ما يقللون من تقدير التكاليف الثابتة وحجم التعقيد: الإيجارات، والعمالة، والمرافق، والامتثال القانوني، وتقلبات الطلب. على جداول البيانات، يظهر التوسع كعملية خطية منتظمة. لكن في الواقع، ينمو حجم التعقيد بوتيرة أسرع من نمو الإيرادات. الانضباط المطلوب هنا يتلخص في: إجراء “اختبارات ضغط” للافتراضات، وتوفير هوامش أمان، والتعامل مع التنفيذ باعتباره مركز ربحية أساسيًا، وليس مجرد فكرة لاحقة.
س: كيف تقيم هوس الأسواق الناشئة بنموذج “اليونيكورن”؟
ج: غالبًا ما نرى تباينًا واضحًا بين الحوافز المتاحة وبين سياق السوق. رأس المال الجريء يصلح لنماذج عمل محددة، لكنه ليس المحرك الافتراضي للتنمية. الخطر يكمن هنا: إذا جمعت تمويلًا ضخمًا قبل ضبط “اقتصاديات الوحدة” لتكون قابلة للتكرار، فإنك تخنق خيارات التخارج، وتتحول وظيفتك من بناء القدرات التشغيلية إلى مجرد إدارة للتقييم المالي. في أسواقنا، الشركات الأكثر قيمة غالبًا ما تكون غير استعراضية: شركات رابحة، ذات حوكمة منضبطة، وتمتلك صرامة لا تلين في التنفيذ.
س: ما هي خارطة الطريق للقادة الباحثين عن نمو مستدام؟
ج: الحل هو: الأساسيات كاستراتيجية. قم بتنميط العمليات، واستثمر في المهارات، واجعل مبدأ القياس والمساءلة معيارًا غير قابل للتفاوض. المطلوب هو بناء أنظمة مؤسسية لا تهتز بتغير الموظفين أو صدمات السوق. عندما يُنفّذ العمل الروتيني بكفاءة، يتحول الابتكار من عامل تشتيت إلى عامل قيمة، لأن فريقك سيتوقف عن إطفاء الحرائق التشغيلية، ويتفرغ للبناء على أرضية صلبة.
في منظور ألونسو، الأساسيات ليست عملًا مملًا؛ بل هي “نقطة التحول” التي تحول رأس المال والمواهب إلى عوائد اقتصادية طويلة الأمد.


