القيادة في ظل المخاطر
دبي – خاص
د.نضال أبوزكي، مدير عام مجموعة أورينت بلانيت
في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، وتتصاعد فيه حدّة الأزمات الإقليمية والدولية، بات الاستقرار طول المدى الذي تُبنى عليها استراتيجيات الأعمال أمر مستبعد. وفي مثل هذه الظروف، التي لم تعد استثنائية، تجد القيادات التنفيذية نفسها أمام اختبار يومي، وسؤال ملحّ: كيف يمكن اتخاذ قرارات حاسمة في ظل معطيات متغيرة، ومخاطر غير متوقعة، وضبابية عالية في الرؤية؟
تُشير العديد من التقارير المتخصصة في هذا الشأن إلى أنّ المؤسسات التي تتمتع بقدرةٍ عاليةٍ على اتخاذ قراراتٍ سريعةٍ ومدروسةٍ خلال الأزمات، تكون أكثر قدرة على الحفاظ على أدائها واستمراريتها مقارنة بغيرها، خاصة في فترات عدم اليقين. كما أنّ بطء اتخاذ القرار في الأزمات قد يكون أكثر خطورةً من القرار غير المثالي، نظراً لما يترتب عليه من فقدان الفرص وتآكل الثقة داخل المؤسّسة وخارجها.
إنّ أول ما يميز القيادة الفعالة تحت الضغط هو القدرة على إعادة تعريف المشكلة بسرعة. ففي البيئات غير المستقرة، غالباً ما تكون البيانات ناقصة أو متناقضة، ما يتطلب من القائد ألا ينتظر اكتمال الصورة، بل أن يعمل على بناء فهم كافٍ يسمح بالتحرك، وهذا ما يُعرف في أدبيات الإدارة بمبدأ (decision-making under uncertainty) أو مبدأ اتخاذ القرارات في حالة عدم اليقين؛ إذ يكون الهدف هو تقليل المخاطر، لا القضاء عليها بشكلٍ حاسم أو نهائي.
ومن الأهمية بمكان، خلال هذه الظروف، أنْ تعتمد القيادة على تبسيط الخيارات الاستراتيجية، فبدلاً من الانخراط في عشرات السيناريوهات، تميل الشركات الناجحة إلى تحديد مسارين أو ثلاثة مسارات رئيسة، وتقييمها وفق معايير واضحة مثل: التأثير المالي، سرعة التنفيذ، مستوى المخاطرة، والمحافظة على الكفاءات المؤسسية؛ إذ أنّ الظروف غير المستقرة قد تحفز هجرة رأس المال البشري الفاعل إلى بيئة أكثر استقراراً.
ومن الملاحظ أن المؤسسات التي تعتمد على تبسيط الخيارات الاستراتيجية والتركيز على عدد محدود من المسارات القابلة للتنفيذ، تكون أكثر قدرة على التحرك بمرونة خلال الأزمات، مقارنة بتلك التي تعتمد نماذج تحليل معقدة تؤخر عملية اتخاذ القرار.
ومن الاستراتيجيات الناجحة في هذا السياق؛ ألا يفصل القرار عن الهيكل التنظيمي الداعم له؛ ففي أوقات الضغط، تحتاج المؤسسات إلى نماذج تشغيل مرنة تسمح بتفويض الصلاحيات وتسريع تدفق المعلومات. وهنا تبرز أهمية ما يُسمى بـ “شبكات اتخاذ القرار”، حيث يتم تقليص المستويات الإدارية، وتمكين الفرق الأقرب للميدان من اتخاذ قراراتٍ سريعةٍ ضمن إطار استراتيجيٍ واضح.
وعلى الرغم من أهمية السرعة، فإن القرار الحاسم لا يعني التسرع، بل يتطلب توازناُ دقيقاً بين الحدس والخبرة من جهة، والتحليل والبيانات من جهة أخرى. فالقادة الأكثر نجاحاً هم أولئك الذين يستطيعون الجمع بين “الخبرة المتراكمة” التي تساعدهم على قراءة الأنماط، و”البيانات اللحظية” التي تعكس الواقع المتغير؛ إذ أنّ هذا التوازن أصبح من أهم مهارات القيادة في هذا العصر.
ومن الزوايا التي غالباً ما يتم تجاهلها، أنّ الاتصال المؤسسي يلعب دوراً محورياً في نجاح القرار. فحتى القرار الصحيح قد يفشل إذا لم يتم توضيحه بشكل كافٍ للموظفين أو الشركاء أو الجمهور. لذلك، تحرص الشركات الناجحة على أن تكون قراراتها مصحوبة برسائل واضحة، تشرح الأسباب، وتحدد التوقعات، وتبني الثقة في مسار المؤسَّسة.
وفي سياق الشرق الأوسط، تزداد أهمية هذه المهارات نظراً لتداخل العوامل الاقتصادية مع الجيوسياسية، ما يفرض على القيادات مستوى أعلى من الجاهزية والمرونة. فالشركات العاملة في المنطقة لا تواجه فقط تحديات السوق، بل أيضاً تقلبات في سلاسل الإمداد، وتغيرات في السياسات، وضغوطاً مرتبطة بالتحولات الإقليمية.
ومن الجوانب المهمة التي تميّز القيادة الفعالة في الأزمات، القدرة على إدارة الضغوط النفسية والتنظيمية داخل المؤسسة، فالأزمات لا تؤثر فقط على الأسواق، بل تمتد إلى فرق العمل، حيث تتزايد مستويات القلق وعدم اليقين. وتُشير أدبيات القيادة الحديثة إلى أن القادة الذين يحافظون على وضوح الرؤية، ويظهرون قدراً عالياً من الاتزان والثقة، ينجحون في نقل هذا الاستقرار إلى فرقهم، مما ينعكس مباشرة على جودة التنفيذ.
وفي هذا السياق، تُؤكّد الدراسات المتخصصة والخبرات العملية المتراكمة أن المؤسسات التي تجمع بين الحسم الاستراتيجي والدعم الإنساني لفرقها، تكون أكثر قدرة على التعافي السريع بعد الأزمات، وتحقيق استدامة في الأداء.
في النهاية، لا يتعلق النجاح في الأزمات بامتلاك إجابات كاملة، بل بالقدرة على التحرك رغم نقص المعلومات. القيادة تحت الضغط ليست اختباراً للمعرفة فقط، بل هي اختبار للثقة، والمرونة، والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة التي يتردد فيها الآخرون. وفي عالم لم يعد ينتظر، قد يكون القرار غير المثالي في الوقت المناسب، أفضل من القرار المثالي بعد فوات الأوان.

