من الترويج إلى الشراكة: صناع المحتوى يعيدون كتابة قواعد التسويق
قوة التأثير الرقمي: صناع المحتوى يغيرون علاقة العلامات التجارية بالجمهور
دبي – خاص
بقلم: غالب زيدان، المدير العام الإقليمي لشركة ويبر شاندويك الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا
أصبح صناع المحتوى والمؤثرون جزءاً أساسياً من أدوات صناع المحتوى والمؤثرون للوصول إلى جمهورها، إلا أن هذا الدور لا يزال في كثير من الأحيان يدار بقدر من التسرع أو سوء التقدير. ومع مرور الوقت، تجاوز تأثير هذه الفئة حدود الحملات الدعائية العابرة، ليتحول إلى نشاط اقتصادي قائم بذاته، له سوقه وقواعده وآلياته الخاصة. ولم يعد ما يعرف بـ “الاقتصاد الإبداعي” مجال هامشي يمكن التغاضي عنه، بل اصبح من أبرز محركات النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سواء على صعيد بناء العلامات التجارية أو في تطوير نماذج الأعمال القائمة على الابتكار.
تطورت خلال العقدين الماضيين العلاقة بين العلامات التجارية وصناع المحتوى، وانتقلت من مرحلة تقوم على الصيحات المؤقتة والحملات قصيرة المدى، إلى إطار أكثر استقرار وتنظيم. واليوم، لم يعد صناع المحتوى مجرد وجوه معروفة على المنصات الرقمية، بل أصبحوا شركاء في التأثير الثقافي والتجاري، وقادرين على بناء جمهور يتابعهم بثقة، ويسهمون في توجيه قرارات المستهلكين بما يتجاوز منطق عدد الإعجابات والمشاهدات فقط.
يقود صناع المحتوى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحولاً واضحاً في أسلوب تواصل العلامات التجارية مع المستهلكين. فقد أسهموا في فتح مسارات رقمية جديدة عبر قطاعات متعددة، ونجحوا في إطلاق مشاريع واعدة، وتطوير منتجات مبتكرة، وبناء مجتمعات نشطة تقوم على الاهتمامات المشتركة وروابط الثقة. ومع تداخل المحتوى والتجارة والثقافة، رسخ صناع المحتوى مكانتهم كطرف مؤثر، ليس في المجال الرقمي فحسب، بل في قطاعات اقتصادية وثقافية أوسع.
اعتادت العلامات التجارية سابقاً التركيز على عدد المتابعين ومستوى الظهور عند التعاون مع المؤثرين، الأمر الذي كان يُفضي في كثير من الأحيان إلى محتوى يتلاشى تأثيره بشكل سريع. أما اليوم، فباتت العلامات التجارية ذات الرؤية المستقبلية تدرك أن القيمة الحقيقية تكمن في السرد المؤثر القائم على توافق القيم بين العلامة التجارية وصانع المحتوى، وهويته وأسلوبه، واهتمامات جمهوره ومصداقيته، بما يخلق قيم مشتركة ومنفعة متبادلة مستدامة. وبذلك، انتقل تسويق المؤثرين من كونه إضافة تجريبية وعلاقات قصيرة الأمد إلى شراكات استراتيجية حقيقية.
كان الهدف من إطلاق شركة ويبر شاندويك الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا لتقريرها الأول “إنفلوأنسر أرابيا” في عام 2024 هو الإصغاء إلى صناع المحتوى، والنظر إلى هذا القطاع من منظورهم، وفهم ما يحتاجونه من العلامات التجارية لبناء علاقات أقوى وأكثر استدامة. ومع صدور النسخة الثانية بعد عام واحد، أصبحت لدينا قيمة إضافية تتمثل في إمكانية المقارنة. فقد أتاح توفر بيانات عامين متتاليين رصد أنماط واضحة، تكشف ليس فقط عمّا يريده صناع المحتوى، بل أيضاً عن كيفية تطور توقعاتهم وسلوكياتهم والمنظومة التي يعملون ضمنها بوتيرة متسارعة.
وأظهرت نتائج التقرير ملامح اقتصاد إبداعي أكثر نضج وثقة، لكنه في المقابل أشد تعقيداً. إذ يجد صُنّاع المحتوى في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنفسهم أمام معادلة دقيقة، يوازنون فيها بين الحفاظ على هويتهم الخاصة وبين ضغوط خارجية متزايدة. فقد أفاد نحو ستة من كل عشرة صناع محتوى بأن خوارزميات المنصات تعد من أبرز التحديات التي تعيق الحفاظ على هذه الهوية، تلتها مباشرة القيود التي تفرضها العلامات التجارية وتصاعد المتطلبات التجارية.
تشهد منظومة صناع المحتوى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قدر أكبر من الوضوح والتنظيم، بالتوازي مع ارتفاع مستوى التوقعات من مختلف الأطراف. فقد أسهمت التغيّرات المستمرة في سياسات المنصات، وظهور أدوات جديدة لتحقيق الدخل، والانتشار المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي، في إعادة صياغة طريقة عمل صناع المحتوى وأساليب خلق القيمة لديهم. وأصبحت أدوات التخطيط والتحليل المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب البث المباشر وأشكال التواصل المباشر مع الجمهور، جزءاً من الممارسات اليومية لهذه الفئة، ما يدفعها بشكل أسرع للاحتراف وتنويع مصادر الدخل، والتعامل مع النجاح بوصفه مسار يمتد عبر أكثر من منصة. وفي المقابل، يرافق هذا التطور ارتفاع واضح في سقف التوقعات لدى العلامات التجارية والجمهور والمنصات على حد سواء.
لا يحدث هذا التحول بمعزل عن السياق العام، بل يضع على عاتق العلامات التجارية والوكالات التي تعمل وسيطاً بينها وبين صناع المحتوى مسؤولية واضحة لمواكبته بوعي ومهنية. فالوكالات التي تفهم طموحات صناع المحتوى من جهة، وأهداف العلامات التجارية من جهة أخرى، تكون الأقدر على بناء شراكات متوازنة وطويلة الأمد. وهي تضطلع بدور أساسي في سد الفجوات، ومساعدة العلامات التجارية على تطوير نماذج تعاون أكثر كفاءة وفاعلية. وباعتبار ويبر شاندويك أول شركة في المنطقة تعد تقريراً يستند إلى رؤية صناع المحتوى أنفسهم، فإن هذا الدور تتم ممارسته على أساس فهم معمّق لطبيعة هذا القطاع وتحولاته.
ومع ذلك، وضماناً لاستمرار مسار نمو الاقتصاد الإبداعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يتعيّن على جميع الأطراف التكيّف بسرعة مع المعطيات الجديدة. فالوتيرة المتسارعة للتطور التكنولوجي بأسلوب غير مسبوق، لا سيما تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إلى جانب تغيّر معايير التقييم والضغوط الاقتصادية، سيواصل إحداث تحولات جذرية في قطاع يتسم بالحيوية أصلاً. وإذا أصرت العلامات التجارية على الاعتماد على أساليب مجرّبة أو ترددت في تبنّي مقاربات جديدة، ستجد نفسها تخاطر بفقدان مكانتها وحصتها في السوق.
يقوم الحل في هذا السياق على مسارين متكاملين. الأول يتمثل في تبني العلامات التجارية نهج فكري أكثر نضج في التعامل مع صُنّاع المحتوى، عبر تجاوز النظر إليهم كعنصر مكمّل لحملات التسويق، والانتقال إلى اعتبارهم شركاء في الابتكار وصناعة المحتوى وبناء الأعمال على المدى الطويل. أمّا المسار الثاني، فيتطلب من صُنّاع المحتوى الاستمرار في ترسيخ احترافيهم، وإبراز رؤيتهم الاستراتيجية، وتقديم قيمة واضحة وقابلة للقياس تتجاوز منطق الإعجابات وعدد المشاهدات.
في ويبر شاندويك الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، ننظر إلى هذا التحول بوصفه فرصة لبناء علاقات أكثر نضجاً بين العلامات التجارية وصناع المحتوى. فهناك استعداد متزايد لدى الطرفين للانتقال نحو شراكات أعمق وأكثر ابتكاراً. ومع تطلعنا إلى المرحلة المقبلة، تتضح ملامح اقتصاد إبداعي يقوم على وضوح الرؤية والتكامل والنمو المشترك. أما العلامات التجارية التي تبادر إلى التكيف مع هذا النموذج، فلن تعزّز حضورها الرقمي فحسب، بل ستسهم أيضاً في صياغة مستقبل التجارة والثقافة في المنطقة.



