دبي – خاص
في وقت يتحوّل فيه الأمن الغذائي إلى محور استراتيجي في الاقتصادات الحديثة، تبرز الإمارات كواحدة من الدول التي اختارت أن تستثمر في جذورها بقدر ما تستثمر في مستقبلها. ومع إطلاق جائزة الشيخ منصور بن زايد للتميّز الزراعي بقيمة تصل إلى 10 ملايين درهم، أصبح القطاع الزراعي المحلي أمام فرصة غير مسبوقة لتسريع الابتكار، وتمكين المزارعين، وفتح الباب لشباب روّاد الأعمال لدخول سوق صاعد يثبت عاماً بعد عام أنه أكثر من مجرد إنتاج غذاء… بل صناعة متكاملة ومستدامة.
في هذا الحوار مع سعادة مبارك القصيلي المنصوري، رئيس لجنة المهرجانات والمسابقات المصاحبة لجائزة الشيخ منصور بن زايد للتميز الزراعي في دورتها الرابعة، نقترب من الجائزة بوصفها منصة اقتصادية بقدر ما هي منصة للتميّز، ونستعرض كيف تغيّر فرصها ومعاييرها ومساراتها شكل الاقتصاد الزراعي في الدولة، وتعيد تعريف دور المزارع الإماراتي في منظومة الأمن الغذائي الوطني.
كيف تنظرون إلى دور الجائزة في دعم اقتصاد الإمارات الزراعي؟
الجائزة تمثل اليوم إحدى أهم الأدوات المحفزة للنمو الزراعي في الدولة، لأن تأثيرها لا يقتصر على تكريم الفائزين فقط، بل يتعداه إلى رفع مستوى التنافسية داخل القطاع ككل. عندما يعرف المزارع أن هناك جهات تقدّر جهوده وتُقيّم عمله بمعايير دقيقة، يصبح أكثر التزاماً بالجودة والإنتاجية. كما تساعد الجائزة على إبراز نماذج النجاح، وهي عنصر مهم في تشجيع الاستثمار الزراعي الخاص، سواء من الأفراد أو الشركات الناشئة. نحن ننظر للجائزة باعتبارها منصة اقتصادية بقدر ما هي منصة للتميز، لأنها تخلق حركة مستمرة في السوق، وتزيد من الإقبال على التقنيات الحديثة، وترفع مستوى وعي المستهلك بالمنتج المحلي.
10 ملايين درهم مبلغ كبير… كيف ينعكس حجم الجوائز على القطاع الزراعي؟
القيمة الإجمالية للجوائز تؤكد التزام دولة الإمارات بدعم المزارعين والمربين وتمكينهم من تطوير أعمالهم. هذه الجوائز ليست مجرد مكافأة رمزية، بل هي رأس مال حقيقي يساعد الفائز على تحسين البنية التحتية لمزرعته، شراء معدات حديثة، رفع جودة الإنتاج، أو التوسع في نشاطه. وجود مبلغ كبير بهذه الصورة يحفز المزارعين على تحسين معايير العمل، ويجذب رواد الأعمال الشباب للقطاع الزراعي باعتباره قطاعاً واعداً وليس تقليدياً. كما أن الجوائز تمثل رسالة ثقة واضحة: هناك فرصة اقتصادية حقيقية في الزراعة المحلية، ومن يستثمر فيها سيحصل على دعم قوي يحمي استدامة مشروعه ويزيد قدرته التنافسية في السوق.
كيف تساهم الجائزة في تمكين المزارعين الصغار تحديداً؟
المزارعون الصغار يمثلون شريحة مهمة في القطاع الزراعي الإماراتي، وغالباً ما يواجهون تحديات تتعلق بالتمويل أو الوصول إلى التقنيات الحديثة. الجائزة تمنحهم منصة لإبراز أعمالهم والتنافس على قدم المساواة مع الجميع. الفوز يمنحهم دفعة مالية ومعنوية قوية، لكنه قبل ذلك يضعهم على خارطة الإعلام والسوق، مما يفتح لهم فرصاً جديدة للتعاون والاستثمار. كما توفر الجائزة معايير واضحة تساعدهم على فهم ما يحتاجه السوق من جودة وإنتاجية. وبمرور الوقت، تتحول الجائزة إلى برنامج تمكين حقيقي، يجعل المزارع الصغير جزءاً فاعلاً من منظومة الأمن الغذائي الوطني.
رواد الأعمال الشباب يدخلون اليوم إلى القطاع الزراعي… كيف تدعمهم الجائزة؟
شباب الإمارات لديهم شغف متزايد بالدخول إلى مجالات الابتكار الزراعي، خصوصاً مع التطور الكبير في التكنولوجيا الزراعية. فئة “مشاريع الشباب” في الجائزة صُممت خصيصاً لاستقبال أفكارهم وتحويلها إلى مشاريع قابلة للنمو. الجائزة تمنحهم فرصة لإبراز مبادراتهم، كما توفر لهم الاعتراف الرسمي الذي يحتاجه أي رائد أعمال في بداية الطريق. وجود فئة مخصصة للشباب يرسل رسالة واضحة بأن الزراعة ليست نشاطاً تقليدياً، بل قطاعاً يمكن للجيل الجديد أن يقوده بالمعرفة والابتكار. بالإضافة إلى ذلك، يحصل الشباب على شبكة علاقات واسعة تضم خبراء ومحكّمين ومستثمرين، وهو ما يسهل عليهم تطوير مشاريعهم والوصول إلى السوق بشكل أسرع.
التقنيات الزراعية أصبحت محوراً مهماً… ما الدور الذي تلعبه الجائزة في دفع هذا التوجه؟
فئة “التقنيات الزراعية” من أكثر الفئات نمواً في الجائزة، لأنها تجمع بين الزراعة التقليدية وروح الابتكار. نحن نشجع المشاركات التي تعتمد على تقنيات الري الذكي، والاستزراع المائي، والطاقة الشمسية، وأنظمة المراقبة والتحليل. هذه التقنيات لا تزيد الإنتاج فقط، بل تخفّض الهدر وترفع كفاءة استهلاك المياه، وهو عامل حاسم في بيئة مثل الإمارات. من خلال التحكيم والزيارات الميدانية، نبرز المشاريع التي تقدم حلولاً مؤثرة قابلة للتطبيق على نطاق واسع. وهذا يخلق منافسة إيجابية بين المزارعين والشركات الناشئة، ويدفع المزيد منهم إلى تبني التكنولوجيا المتقدمة. بمرور الوقت، يصبح القطاع الزراعي أكثر ذكاءً واستدامة، وهو ما يتماشى مع رؤية الإمارات للمستقبل.
كيف يرى المستثمرون الجائزة؟ وهل تساهم فعلاً في جذب الاستثمار الزراعي؟
المستثمرون ينظرون إلى الجائزة باعتبارها مؤشر ثقة في القطاع الزراعي المحلي. عندما يرون أن هناك منصة حكومية منظمة تحتفي بالإنتاج المتميز وتضع معايير دقيقة للتميّز، يصبحون أكثر استعداداً لدخول هذا القطاع. الجائزة توفّر قاعدة بيانات غير مباشرة عن أفضل المشاريع والمزارع، وتسلّط الضوء على قصص نجاح يمكن تحويلها إلى شراكات أو توسعات تجارية. كما أن الزخم الإعلامي حول الجائزة يلفت نظر المستثمرين إلى الفرص المتاحة في الزراعة الغذائية، الزراعة الذكية، وإنتاج العسل والثروة الحيوانية. وبشكل عام، تُعتبر الجائزة محرّكاً اقتصادياً يرفع من جاذبية القطاع ويجعل الاستثمار فيه أكثر أماناً ووضوحاً.
كيف تقيسون أثر الجائزة على المدى الطويل؟
الأثر الحقيقي للجائزة لا يُقاس بعدد الفائزين فقط، بل بمدى التحوّل الذي تحدثه في عقلية المزارعين، ونوعية الإنتاج، ومستوى تبني التقنيات الحديثة. على المدى الطويل، نلاحظ ارتفاع جودة الإنتاج المحلي، وتزايد عدد المزارع التي تعتمد على ممارسات أكثر استدامة. كما نرى مشاركة أكبر من الشباب والنساء، وهو ما يعكس تطور القطاع اجتماعياً واقتصادياً. كذلك تساعد الجائزة على بناء علاقة أكبر بين المزارعين والجهات الحكومية والخاصة، مما يعزز تكامل منظومة الأمن الغذائي. نحن نتابع أداء الفائزين في الدورات السابقة، ونرى أنهم غالباً ما يوسعون نشاطهم، أو يطورون منتجات أفضل، أو يصبحون نموذجاً يُحتذى به داخل مجتمعاتهم الزراعية.

