لماذا لا يتحدث أحد عن كيفية الاستمتاع بسحر عدم القيام بأي شيء على الإطلاق أثناء فترة هذا الحجر الصحي؟ ماذا لو لم يكن علينا أن نكون منتجين أو مبدعين أو استثنائيين لبعض الوقت؟
متدربة، ورائدة أعمال في الشرق الأوسط
الآراء التي عبر عنها المساهمون تعبر عن وجهة نظرهم الخاصة.

“ابق ساكناً لبعض الوقت. لا تفعل أي شيء. سيأتي وقت في حياتك تشتاق فيه لبعض الوقت الذي لا تقوم فيه بفعل أي شيء على الإطلاق. لذا، استمتع بهذا الوقت، الآن بالتحديد!”
سمعت هذه الكلمات من مدرسة اللغة الإنجليزية في الصف الثامن، والتي كانت تشعر بأنني وزملائي في الفصل نشعر بالقلق لترك الغرفة بعد فترة طويلة من الانتهاء من الاختبار في ذلك اليوم.
كما ترى، فنحن مجبرين على البقاء في المنزل. فيما مضى كنا نجلس على بُعد أقدام قليلة من بعضنا البعض، لم يكن التحدث بصوت عالٍ خياراً. لم يكن هناك سوى أصوات أزيز مراوح السقف، وأصوات الأنين الخافتة التي كان يصدرها بعضنا. لا شيء لأفعله. فقط الهدوء، وصوت أنفاسنا، والكثير من الوقت.
هل يبدو ذلك مألوفاً…؟
بدت كلمات أستاذتي غريبة تماماً في ذلك اليوم. ولكن بعد أكثر من عقد من الزمان، في خضم الجائحة التي أدت إلى توقف العالم بأسره، بدت كلماتها شبه صائبة. كان ذلك الفصل الدراسي محاكاة مصغرة للأوقات التي نحن فيها الآن. كانت تلك الكلمات الحكيمة مخصصة لأزمة مثل أزمة اليوم. على الرغم من وجود عوامل مثل العمل من المنزل والمسؤوليات الشخصية التي تجعلنا مشغولين طوال اليوم، فنحن جميعاً “متفرغين” نسبياً.
أصبح لدينا فجأة وقت لا حصر له، وليس لدينا الكثير لنفعله. ربما للمرة الأولى في حياتنا، بدأت هواتفنا تضجرنا، وتشعرنا الجرعة الزائدة من البرامج التلفزيونية بالغثيان تقريباً. تمتلئ موجزات الأنشطة الخاصة بنا على وسائل التواصل الاجتماعي بمقالات حول كيفية الحفاظ على الإنتاجية أثناء فترة الحجر الصحي، وينشر مشاهيرنا المفضلين مقاطع فيديو للتمرين في المنزل كل يوم.
تشعر أنه جرمٌ ألا تقم بشيء إبداعي خلال هذا الحجر الصحي. لكن اسمحوا لي أن أستطرد للحظة هنا. من المهم بالطبع أن نلاحظ أنه من الترف أن تكون قادراً على التفكير بهذه الطريقة. هناك مئات الآلاف في العالم الآن على الخطوط الأمامية لهذه الحرب البيولوجية، ويعرضون حياتهم للخطر. وهناك عدد لا يحصى من الأشخاص حول العالم يشعرون بالحزن جراء فقدان أحبائهم الذين وقعوا ضحايا لهذا الفيروس القاتل.
في الوقت نفسه، هناك الكثير من بيننا يشعرون بالحزن على فقدان وظائفهم وسبل كسب قوتهم نتيجة للأزمة الاقتصادية التي سببتها جائحة كوفيد-19. مع وضع كل هذا بعين الاعتبار، يمكننا محاولة الاعتراف بحالات الإحباط العالمية، الأولى بأن نتقبل وجودها بصورةٍ جيدة، وكذلك بأن نشعر ببعض الامتنان الكامن في بعض التفاصيل. فنحن، مع وجود أسطح تظلل فوق رؤوسنا ووجود الثلاجات المجهزة بالكامل، نتمتع بمزايا كثيرة بهذه الطريقة مقارنة بغيرنا.
الموضوعات ذات الصلة: تأملات أثناء #البقاء_في_المنزل: تذكير كن (دائماً) لطيفاً
ولكن دعونا ننظر مرة أخرى إلى العدد الكبير من مقالات “طريقة الحفاظ على الإنتاجية أثناء فترة الحجر الصحي” على الإنترنت اليوم. ومع التزايد المطرد في أيام العزل الذاتي، قد تجلب هذه المنشورات مصدراً للتفاؤل وتكون مصدر الأمل للبعض. حيث تحثك مثلاً على إعداد مساحة عمل أنيقة لتعمل من المنزل. أو تعلم لغة جديدة. وأخيراً، أن تقرأ الكتب التي اشتريتها قبل ثلاثة أشهر والتي توجد حالياً طبقة من الغبار فوقها. ابدء في إنشاء مدونة. وسجل لحضور الدورات التعليمية. اطبخ أطباقاً جديدة. كل هذه تبدو طرقاً مغرية وخلاقة للهروب من جنون الحجر الصحي، ولا يمكن التقليل من أهميتها.
لكن على المرء أن يضع في اعتباره أن هناك من لا يستطيع القيام بأي من هذه الأشياء، بسبب ازدحام الأفكار في عقله. بسبب القلق أو الحزن. أو بسبب وجود أفكار محبطة تنبع غالباً من الشعور المتزايد بعدم الكفاءة وعدم الجدارة. كما توجد علامة استفهام إضافية إلى جانب أزمات الهوية اليومية التي يواجهها الكثيرون أثناء العزل. كل هذا، أضف الى ذلك الارتياب والقلق السائد بسبب الانتشار السريع للفيروس والذي سيترك بالتأكيد لدى الكثير منا شعوراً بالخدر العقلي. ويجب ألا ننسى للحظة أنه لا أحد منا في إجازة مدفوعة الأجر. لا أحد منا لا يؤمن بأهمية إعادة الشباب إلى أرواحنا. والجميع يحاول باستمرار مكافحة الجائحة العالمية، بينما نحاول إيجاد بعض الإحساس بالحياة الطبيعية في فترة الحجر الصحي. فترة من العزلة القسرية، تبقى مدتها غير محددة.
وهو ما يجعلني أتساءل – لماذا لا يتحدث أحد عن كيفية الاستمتاع بسحر عدم القيام بأي شيء على الإطلاق أثناء فترة الحجر الصحي هذه؟ ماذا لو لم يكن علينا أن نكون منتجين أو مبدعين أو استثنائيين لبعض الوقت؟ لمرة واحدة، يمكننا السماح لأنفسنا بالاستيقاظ كل صباح، وليس لدينا قائمة مهام علينا التحقق من القيام بها. ليس علينا أن نتعلم شيئاً جديداً كل يوم، وبالتأكيد لا يتعين علينا طهي سوفليه أو فطيرة الراعي في المطبخ.
يمكننا، بدلاً من ذلك، ألا نقوم بأي شيء خارج عن المألوف. على سبيل المثال، يمكننا غسل الأطباق والحفاظ على نظافة خزانات الملابس، لكن لا يتعين علينا تعلم أسلوب ماري كوندو في تنظيم مناشفنا. قد نقرأ كتاباً أو نكتب شيئاً لأنفسنا، لكن لا نفكر في طرق لكتابة الكتاب التالي الأفضل مبيعاً في نيويورك تايمز. لا يتعين علينا تعلم لغة جديدة في حد ذاتها، ولكن ربما يمكننا إتقان فن النظر إلى الغيوم، وعدم التفكير باستمرار فيما يجب القيام به بعد ذلك. يمكننا الاستلقاء لمدة ساعة إضافية بعد الظهر، دون أن نشعر بالذنب حيال ذلك.
“عد إلى بؤرة التركيز” هي عبارة ستسمع معلمو اليوغا والتأمل يذكرونها. إنها طريقة لمطالبة جسدك وعقلك بالعودة إلى حالتهم الأصلية. إلى حالة قلبك الأصلية. إلى حالة روحك الأصلية. آلية صغيرة رائعة لكي تجد العزاء في كل مرة يبدو فيها أن هناك فوضى أفكار تتغلب علينا. مصطلح يستخدم عندما تحاول الهروب من وضع صعب لإيجاد الاستقرار. طريقة لترسيخ أنفسنا ونُعلمنا ألا تفعل شيئاً، بل نتواجد فحسب. للتخلي عن فكرة أنك لم تعرف بعد ماهية الشخص الذي عليك أن تكونه. لتعرف، وتؤمن تماماً، أن الجدارة والتساؤل موجودان بداخلك في تلك اللحظة.
لا يتعين علينا أن نتعلم بطريقة سحرية فن إدارة الوقت / المنزل / الحياة / إدارة الإكسيل خلال هذه المرحلة غير المسبوقة والتي يشوبها القلق من حياتنا. لا نحتاج إلى ذلك فعلاً! يمكننا جميعاً “العودة إلى بؤرة التركيز” الخاصة بنا بدلاً من ذلك. لذلك، في المرة القادمة التي نشعر فيها بالضغط من فكرة الاضطرار إلى القيام بشيء ما لإضافة بعض القيمة إلى حياتنا خلال هذا الحجر الصحي، دعنا نسمح لأنفسنا أن نتخلص من هذه الأفكار، ونختار أن نجد السعادة في عدم القيام بأي شيء. هناك دباً صغيراً خيالياً ذائع الصيت يحمل اسم ويني ذا بوه، قال ما يلي ببلاغة: “غالباً ما يؤدي عدم فعل أي شيء إلى أفضل النتائج.”
الموضوعات ذات الصلة: اعتماد اليقظة من أجل الإنتاجية