مترجم بتصرف: مقال لباميلا دي ليون
تتمتع دبي بسمعة عالمية باعتبارها بوابة المنطقة إلى الأسواق العربية والآسيوية والأفريقية، حيث تميز قطاع النقل والخدمات اللوجستية بالإمارة باستثماره المستمر في تطوير بنيته التحتية والتكنولوجيا. ولكن مع انتشار فيروس كوفيد-19، واجهت العديد من الشركات تحديات في هذا القطاع شملت انخفاض سعة سلسلة التوريد، وقيوداً حكومية أخرى وغيرها من التحديات. وكان لافتاً أن نرى كيف وجدت الشركات العاملة في هذا المجال طرقًا متنوعة للتعامل مع التحديات الحالية، بالإضافة إلى الاستفادة أيضًا من الفرص التي فرضت نفسها خلال هذه الفترة الاستثنائية.
ومثلها مثل سائر الشركات العاملة في قطاع الخدمات اللوجستية، كان على شركة “دي إتش إل إكسبرس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا DHL Express MENA ” مواجهة التحديات الواضحة التي نجمت عن تعثر سلاسل التوريد العالمية، وسعة الشحن المحدودة، وتعطل التواصل والنقل وتأخر الطلبيات، حيث واجهت تحديات كذلك في ضمان التسليم السلس ضمن الوقت المناسب منذ أن أصبحت المطارات والحدود المغلقة أكبر عقبات النقل خلال هذه المرحلة. لكن نور سليمان، الرئيس التنفيذي للشركة يقول إنه على الرغم من كل هذه التغييرات، فإن شركته كانت قادرة على التكيف بسرعة لتلبية الطلب العالمي، واستئناف العمليات التجارية في خضم الجائحة. يتباهى سليمان بأن سيناريوهات مخاطر الأوبئة والجائحة جزء لا يتجزأ من شركة مثل شركته، وعلى هذا النحو، فإن الشركة لديها خطط طوارئ قوية لدعم استمرارية الأعمال.

يوضح سليمان قائلاً: “لقد أعدنا توظيف قدرات أسطولنا، وهندسة عملياتنا لتتلاءم مع أنماط التجارة والمستهلكين المتغيرة، والطلب المتزايد على التجارة الإلكترونية. لقد اعتمدنا بشدة على أسطولنا المكون من أكثر من 250 طائرة شحن، وزدنا معدلات الطيران، وحولنا بعض الشحنات غير المرتبطة بالوقت إلى الشحن بحراً أو من خلال السكك الحديدية. ما أصبح واضحًا للغاية هو كيف يمكن أن تتسبب الاضطرابات في سلاسل التوريد في مشاكل كبيرة لتوريد المنتجات المهمة، وكيف لا يزال هناك عمل يتعين القيام به لتحسين سلسلة توريد المنتجات الطبية، خاصة الآن بعد بدء توزيع تطوير اللقاحات. نحن نعمل باستمرار للاستعداد بشكل أفضل لعمليات الطوارئ داخل مجال عملنا.”
شركة أخرى عاملة في نفس القطاع تأثرت من تداعيات أزمة كوفديد-19وهي الإمارات للشحن الجوي. وكجزء من عملياتها الاعتيادية، تقوم الشركة بنقل البضائع على طائرات شحن مخصصة وكذلك ضمن رحلات الركاب، مع اعتبار الأخيرة جزءًا لا يتجزأ من جهود الشركة وطريقة عملها. يقول نبيل سلطان، نائب رئيس أول طيران الإمارات لدائرة الشحن: “قبل أزمة كوفيد-19، كنا ننقل حوالي 70٪ من إجمالي الشحن الجوي على متن طائرات الركاب. وعندما أجبرتنا أزمة الجائحة على تعليق كامل رحلات الركاب في أواخر مارس، لم تعد هذه السعة الكاملة فجأة متاحة لنا، ولم يتبق لنا سوى شحن البضائع عبر 11 طائرة شحن من طراز بوينج 777. في ذلك الوقت، كان لا يزال هناك طلب عالمي على نقل البضائع والسلع المطلوبة بشكل عاجل مثل معدات الوقاية الشخصية والمعدات الطبية وأجهزة التنفس الاصطناعي والأدوية والمواد الغذائية.” ومن أجل الوفاء بمسؤوليتها الاجتماعية المؤسسية لنقل مثل هذه السلع العاجلة، يكشف سلطان أن الشركة أعادت بشكل أساسي ابتكار نموذج أعمالها من خلال تبسيط عملياتها في دبي، مع إتاحة سعة جوية إضافية للعملاء لنقل البضائع الأساسية عبر دبي إلى جميع أنحاء العالم.
وقد لمسنا هذا السلوك المرن أيضاً من قبل الشركات العاملة على الأرض. يشير رامز حمدان، مدير عام قسم المركبات التجارية في مجموعة السيارات في الفطيم، وهو الموزع الحصري لشاحنات “هينو” في الإمارات العربية المتحدة، إلى أن جهود الشركة السريعة لضمان استمرارية خدمة العملاء، وتقديم نفس معايير ما بعد البيع سمحت لها بتخطي تداعيات الأزمة بشكل فعال. يقول هنا حمدان: “وضعنا المزيد من الأشخاص في شاحنات الخدمة المتنقلة الخاصة بنا لضمان حصول عملائنا على دعمنا في الوقت المحدد”. وعلى الرغم من القيود المفروضة على الحركة آنذاك، تمكنت الشركة من توصيل قطع الغيار للعملاء مرتين في اليوم، وبالتالي ضمان تنفيذ المهام اللوجستية الهامة دون أي تأخير. وقد كان هذا أمرًا بالغ الأهمية بشكل خاص لأن غالبية عملائها يعملون ضمن القطاعات الحيوية ذات الطلب المرتفع مثل السلع الاستهلاكية، والخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية وصناعات توزيع الأغذية والمياه. ووفقًا لحمدان “حققنا خلال فترة الإغلاق أعلى مبيعات لشاحنات هينو في شهر واحد في الإمارات العربية المتحدة”.

كما شعر رواد الأعمال والشركات الناشئة العاملة في هذا المجال بتأثير الجائحة على نشاطاتهم. يتذكر عاطف رفيق، الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة “قافلة”، وهي الشركة الناشئة التي يقع مقرها في دبي والمتخصصة برقمنة خدمات الشحن: “كانت هناك العديد من التحديات التي كانت خارج سيطرتنا، مثل عمل قاعدة موردينا، الذين كانوا يسعون جاهدين لوضع سياسة العمل عن بُعد وتأسيس بنية تحتية لاستمرارية أعمالهم”. ولكن كون الشركة مبنية على التقنيات الرقمية، فذلك منحها ميزة على الآخرين في هذا المجال. يضيف رفيق قائلاً: “لم يكن لدينا أي تأخير، حيث انتقلنا بجميع عملياتنا إلى المجال الإلكتروني ووضعنا سياسة العمل من المنزل”.
وقد وضع رفيق وفريق عمله الحفاظ على السيولة أولوية. وبجانب الاستفادة من مبادرات التحفيز الاقتصادي الحكومية، تفاوضت الشركة الناشئة أيضًا على العقود الحالية مع البائعين والموردين من أجل تأجيل الدفعات أو خفض الأسعار، والحد من المخاطر الائتمانية للعملاء الجدد، وزادت تركيزها على استرداد الأموال. واستغلت الشركة الناشئة أيضًا الفرصة للتركيز بقوة أكبر على القطاعات المربحة خلال الأزمة مثل إنتاج الأغذية والنظافة. كما ضاعف فريق شركة قافلة جهوده في بناء قدراته الرقمية، والتي شملت منتجات جديدة وتكامل مع الشركاء، بالإضافة إلى إعادة تصميم واجهة المستخدم وتجربته.
قصص مثل قصة شركة “قافلة” تظهر كيف استطاعت الشركات الصغيرة في هذا القطاع التأقلم بسرعة مع البيئة التي وجدت نفسها فيها هنا في دبي. أشارت ناتاليا سيتشيفا، مدير أول للمشاريع الخاصة وريادة الأعمال في غرفة تجارة وصناعة دبي، إلى أنه في أعقاب تفشي فيروس كوفيد-19 والإغلاق الذي أعقبه، كانت الكلمة الأخيرة للشركات الصغيرة والمتوسطة ذات التواجد الرقمي المتميز مقارنة بالشركات التي لم يكن لها تواجد رقمي. تضيف سيتشيفا: “كانت الشركات الصغيرة والمتوسطة في دبي محظوظة للغاية، حيث تصرفت الحكومة بسرعة وكفاءة في الإعلان عن حزم تحفيز اقتصادي، مما قلل من تكلفة ممارسة الأعمال. كما أعلنت المناطق الحرة مثل “دافزا” و”جافزا” عن حوافز إضافية لمساعدة الشركات اللوجستية مثل قرار إلغاء الغرامات والرسوم، وتأجيل الإيجارات، وتسهيل حركة نقل البضائع بكفاءة.”
تشير سيتشيفا أيضًا إلى أنه في حين أن الاقتصادات الأخرى شهدت توقفًا في النشاط التجاري، ظلت الإمارة مفتوحة للأعمال ومركزاً لتبادل التجارة، مما عزز من مكانتها التنافسية كوجهة عالمية للتجارة. ويوافق سليمان نظرة سيتشيفا، مشيرًا إلى أن سهولة الحصول على اختبارات وفحوصات كوفيد-19 والتي كانت من أعلى المعدلات في العالم، فضلاً عن توافر معدات الوقاية الشخصية للمواطنين والمقيمين يعكس القدرات اللوجستية المرنة لدبي. كما أشاد حمدان بردة فعل دولة الإمارات العربية المتحدة لمواجهة تعطل سلسلة التوريد قائلاً:” أدت الإجراءات الحكومية السريعة وبعد نظر قيادة الدولة واستثماراتها في البنية التحتية على مدى عقد في الحد من تأثير أزمة كوفيد-19. نحن نلمس فوائد هذه الاستثمارات، بفضل الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتعزيز الاقتصاد “.
يشير سليمان من “دي إتش إل” إلى أن الجائحة كانت عاملاً محفزًا للنمو الهائل للتجارة الإلكترونية، وخاصة لعادات التسوق العالمية والفرص الهائلة التي يمكن للعلامات التجارية الاستفادة منها. ومن أجل ضمان دعم شركته لعملائها في هذا المجال، كان على “دي إتش إل” أن تعتمد أكثر على أسطولها الجوي لدعم العمليات. يضيف سليمان هنا: “أضفنا طائرتين من طراز بوينج 767-300Fs إلى أسطول طيران الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وعززنا سعة حمولتنا بأكثر من 25٪. ”

بدأت الإمارات للشحن الجوي في تشغيل طائرات الركاب بوينج 777-300ER كطائرة شحن فقط. يضيف سلطان قائلاً:” “لم يتم القيام بذلك من قبل، وكان على فريقنا العمل في غضون وقت قصير جدًا لتخطيط شبكة خطوطنا الجديدة مع شركائنا في جميع أنحاء العالم، وكذلك العمل مع السلطات المعنية للحصول على الأذونات المطلوبة لتشغيل الرحلات.” وقد سمح نشر طائرات البوينج للإمارات للشحن الجوي بزيادة شبكة وجهاتها من 35 وجهة (تخدمها 11 طائرة شحن من طراز بوينج 777) في نهاية مارس، إلى حوالي 50 وجهة بحلول أبريل. ولكن هذه لم تكن هي النهاية، ففي الشهرين التاليين، قامت الشركة بتوسيع شبكتها إلى أكثر من 75 دولة، وهي تطير حاليًا إلى أكثر من 130 وجهة.
وابتكرت الإمارات للشحن الجوي حلولاً أخرى لزيادة سعة الشحن الجوي، مثل تحميل البضائع على مقاعد طائرات الركاب وفي الصناديق العلوية، مع ضمان اتباع هذه العمليات جميع إرشادات السلامة. وعلى سبيل المثال، شرعت الشركة في يونيو من العام الماضي بإزالة مقاعد في الدرجة الاقتصادية من 10 طائرات بوينج لتحويلها إلى ما أسموه “طائرات شحن صغيرة”.
يقول حمدان إن السوق ظل مستقرًا حتى مع تغيير شركته لإستراتيجيتها للتركيز على القطاعات الحيوية عالية الطلب. يشرح ذلك قائلاً: “نعتقد أن السوق يتعافى على خلفية الخطوات الملموسة التي اتخذتها الحكومة لتعزيز الأنشطة الاقتصادية والإعلان عن حزم تحفيز اقتصادية.” أما سيتشيفا فهي متفائلة بأن دبي ستستمر في استقطاب الشركات من جميع أنحاء العالم والأسواق المحيطة على وجه الخصوص، والتي تتطلع إلى الاستفادة من البنية التحتية اللوجستية للإمارة لإعادة بدء أعمالها وتوسيع نطاق وجودها العالمي. وتعتقد سيتشيفا أن هناك الكثير من الفرص التي يمكن لرواد الأعمال الاستفادة منها، مضيفةً: “يجب على رواد الأعمال في قطاع الخدمات اللوجستية الاستثمار في التكنولوجيا التي يمكن أن تقود وترتقي بأعمالهم، والتأكد من أن خدماتهم تلبي احتياجات السوق، وأن يبقوا على اطلاع دائم بأحدث اللوائح والقرارات الصادرة عن الحكومة للتعرف على الدعم والموارد المتاحة لهم.”
نصائح لرواد الأعمال في قطاع الخدمات اللوجستية:
نور سليمان، الرئيس التنفيذي لشركة DHL Express MENA
“قم أولاً بتوظيف الموهبة المناسبة. الناس هم أساس أي عمل تجاري، وإذا تعلمنا شيئاً من الجائحة، فهو أن موظفينا هم أهم ما نملك. هم أساس تميزنا والسبب وراء نجاحنا. ثانيًا، ركز على الجودة، حيث يركز العملاء اليوم على الجودة. إنه عالم سريع زاخر بالخيارات، والطريقة الوحيدة للمحافظة على استمرارية الأعمال هي تقديم جودة استثنائية تجعلك دائمًا محور الطلب. وثالثاً، اختر الشريك المناسب. شركاؤنا هم جزء من وجودنا. اختر الشريك الذي سيفي دائمًا بوعدك لعملائك. الشركاء مهمون لعملك بقدر أهمية موظفيك “.
رامز حمدان، مدير عام قسم المركبات التجارية في مجموعة السيارات في الفطيم
“يجب أن تفكر الشركات في التخلي عن الممارسات القديمة، مثل الاعتماد على موردين متعددين للسلع والموارد. ويجب بدلاً من ذلك أن يكون التركيز على عدد قليل أو حتى تفضيل الشركات المحلية للمساعدة في تعزيز ودعم الاقتصاد المحلي. كما أن هناك حاجة فورية إلى مزيد من الأتمتة، مثل تتبع وتعقب نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) ، والمعاملات اللاورقية أو الإلكترونية، وأنظمة البرمجيات لإدارة المستودعات والنقل، بالإضافة إلى الروبوتات والطائرات بدون طيار لعمليات أكثر سلاسة.”
نبيل سلطان، نائب رئيس أول طيران الإمارات لدائرة الشحن
“حافظ أولاً على قدميك على الأرض. لا ترضى لمجرد أنك قمت ببناء منتج أو إيجاد حل جيد. إذا علمتنا الجائحة أي درس، فهو أنه يمكن حتى تحدي أفضل عروض منتجاتك بين ليلة وضحاها ولا شيء دائم. الخيار الوحيد هو الابتكار المستمر والبقاء في صدارة اللعبة. ثانيًا، تسخير أحدث الابتكارات التكنولوجية، واستخدام الذكاء الاصطناعي وغيره من حلول التكنولوجيا الذكية لإحداث ثورة في صناعة الخدمات اللوجستية. أخيرًا، لا تيأسوا في مواجهة التحديات. فالأوقات الصعبة لا تدوم إلى الأبد “.
عاطف رفيق، الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة “قافلة”
“تشمل نصائحي الثلاث التركيز على الرقمنة، والتدفق النقدي، وأخيرًا التخطيط الدائم لاستمرارية الأعمال.”