بقلم سيباستيان شوفين، الرئيس التنفيذي لشركة فيوليا الشرق الأوسط
تتبع الصناعات الحديثة نمطًا تقليديًا يتمثل في “المواد الخام، التصنيع، النفايات” وهي طريقة تتطلب تدفقًا مستمرًا للموارد التي غالبًا ما يتم الحصول عليها من مناطق بعيدة حول العالم. وعلى المدى الطويل، ترهق تلك الطريقة مواردنا الطبيعية وتؤدي إلى إنتاج كميات ضخمة من النفايات، فيما تقلل من إمكانية الاستفادة من كامل قيمة المواد الخام. وبالإضافة لذلك، فإن هذا النموذج الخطي ينهار في حالات الاضطراب الكبرى (كالأوبئة أو الكوارث الطبيعية أو الحظر السياسي)، ما يعني عدم استدامة الإنتاج أو الأعمال المحلية.

قد يوفر نموذج الاقتصاد المحلي الدائري الحل لتلك المشكلة، نظرًا لكونه يستهدف كل مستوى من مستوياته لتقليل النفايات وإعادة استخدامها وإعادة تدويرها. ومن خلال تصميم تلك النفايات ومواصلة استخدام المنتجات والمواد وإعادة توليد الأنظمة الطبيعية، تنشأ الفرص الفعالة للنمو الاقتصادي بشكل يعود بالنفع على البيئة والمجتمع.
ولهذا فإن نموذج الاقتصاد الدوراني حلّ فعال للحفاظ على موارد المياه والطاقة والمواد واستعادة مخزونها على المستوى المحلي – وهو نهج لاقى صدى واسعًا هنا في دولة الإمارات. ففي البداية، تعني استعادة المستويات السابقة من تلك الموارد إعادة تدوير المواد وتطوير مصادر الطاقة المتجددة وتحويل النفايات إلى سماد عضوي أو طاقة. ومن ناحية أخرى فإن الحفاظ على الموارد يتضمن تقليل الاستهلاك وتعزيز كفاءة الطاقة واتباع الطرق المنهجية. وبوصفه نموذجًا للتنمية ومحركًا للنمو، فإن الاقتصاد الدائري مسار يؤدي إلى استحداث الوظائف على المستوى المحلي وتأمين سلسلة التوريد لمجموعة محددة من المواد الخام والخدمات الأساسية.
وفي ظل تفشي جائحة كوفيد-19 في جميع أنحاء العالم، فقد شهدنا القيود المترتبة على عولمة الاقتصاد بشكل كامل، فيما أثبتت نماذج الاقتصاد المحلي والدائري مرونة وكفاءة أكبر مكنتاها من الصمود في وجه الظروف لتلبية احتياجات السكان وتسريع تعافي الأعمال.
واستجابة لجائحة كوفيد-19، طبقت فيوليا خطط استمرارية الاعمال التي تركّز بشكل أساسي على تأمين سلاسل التوريد وحماية سلامة وصحة فرقنا المحلية لتتمكن من القيام بمهامها الأساسية. ولهذا الغرض، واصلنا إنتاج وتوفير مياه الشرب ومعالجة مياه الصرف الصحي مع الحفاظ على سير عمليات جمع النفايات وتأمين أنشطة إدارة الطاقة في شبكات التبريد وتقديم الخدمات الصناعية في الموقع لضمان استمرار عمل القطاعات الصناعية والحفاظ على مواصلة أنشطتها في معالجة النفايات الخطرة – وجميعها خطوات بالغة الأهمية لإدامة العمليات الصناعية الحيوية.
لا بدّ من فهم أهمية الاقتصاد الدائري في عالمنا المعاصر – فالمبادرات المحلية والتعليم والابتكار والإبداع جميعها جزء من الإجابة، ومعظم الدول في الشرق الأوسط بدأت بالفعل في مواجهة تلك التحديات. ندعم في فيوليا الشركات الناشئة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة بالمنطقة، ونرافق الشركات المحلية في رحلتها البيئية عبر تثقيفها بمبادئ الاقتصاد الدائري والحلول التقنية المرتبطة به.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك التعاون الذي جرى مؤخرًا بين فيوليا وشركة محلية ناشئة لاستخدام أداة مبتكرة لإدارة أداء الأصول في مختلف معاملنا وعملياتنا. مكّنتنا تلك الأداة الجديدة من تحقيق مستوى أفضل من مراقبة أداء أصوبنا وتحسين توفر وكفاءة معداتنا الرئيسية بشكل ملموس.
وهناك مثال آخر من خلال تعاوننا مع جامعة خليفة بدولة الإمارات لدراسة الكشف المبكر عن انتشار مرض كوفيد-19 عبر تحليل المياه العادمة. فقد كانت المساهمة في تلك الأبحاث بمثابة فرصة لنا في فيوليا لمشاركة خبراتنا ومعرفتنا في مجال عمليات معالجة المياه العادمة والصرف الصحي.
وأخيرًا، يعدّ برنامجنا الذي أطلق حديثًا للتسريع والتوجيه مشروعًا مؤسسيًا فريدًا من نوعه يساعد في تمهيد الطريق لترسيخ ثقافة الاقتصاد الدائري الفعلي في المنطقة.
تعتبر تلك المشاريع مجرد أمثلة على كيفية سعينا المستمر نحو المشاريع المبتكرة، وكيف تلعب فيوليا، بوصفها رائدًا عالميًا في مجال إدارة الموارد، دورًا محوريًا في دعم المبادرات والابتكارات المحلية.
وبهذا يمكننا القول بأن الاقتصاد الدائري يتمتع بالقدرة على مواجهة التحديات التي يعاني منها العالم في الوقت الراهن، وأن على الشركات مواصلة التركيز على هدف تحقيق الاستدامة على المدى الطويل وتحسين استخدامها للسلع والموارد المتاحة لتوليد الإيرادات. على العالم إعادة التفكير بعلاقته مع الموارد، وأن يتوصل إلى نماذج جديدة للنمو الاجتماعي والاقتصادي تتسم بالكفاءة والتوازن والاستدامة والطابع المحلي. ولا تقتصر مزايا الانتقال نحو الاقتصاد الدائري على تقليل الضغط على البيئة وتعزيز أمن توريد المواد الخام، إذ من شأنه كذلك تحفيز الابتكار وتحسين النمو الاقتصادي.