مترجم بتصرف: مقال لـ يونس ياغشا
ركوب الموجة
قامت لعقود الحكومات ومجتمعات الأعمال حول العالم بتحليل عوامل التغيير التي قد تؤثر على الاقتصادات العالمية، وناقشت ما الذي يتوجب القيام به في هذه الأوضاع. وفي حين ساهمت النزعة الجذرية التغييرية للثورة الصناعية الرابعة (بما فيها انترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي والبلوك تشين وغيرها) في إحداث تغير حتمي في طريقة معيشتنا اليومية، إلا أن هذه التغيرات حدثت بشكل بطيء سمح للمستفيدين من الوضع الحالي في مقاومة التغيير الضروري لتأسيس اقتصادات مستقبلية مبتكرة ومستدامة وأخلاقية وشاملة.
ولكن في الأشهر القليلة الماضية، أجبر فيروس كوفيد-19 مجتمعاتنا العالمية على مواجهة الوقائع على الأرض، والحقائق التي كنا نخشى مواجهتها لأنها كانت تتطلب منا استبدال الوضع الحالي المريح الذي تعودنا عليه لفترة طويلة بأسلوب حياة وتعلم وممارسة للأعمال مختلف كلياً. ورغم ان تطبيق هذه التغيرات قد بدا للوهلة الأولى مستحيلاً، فإن ردات فعل الحكومات والأعمال والناس حول العالم لواجهة انتشار فيروس كوفيد-19 قد أثبتت أننا قادرون على فعل أي شيء إذا ما توفرت الإرادة لذلك.
قوة التكنولوجيا وبراعة الروح البشرية شكلا جوهر تجربتي كمدير برامج في برنامج “Anjal Z” بتسهيل ودعم من “Seedstars”. هذه المبادرة التي تقودها هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة توفر برنامج نمو كبير التأثير لمدة ثمانية أسابيع للشركات العالمية ذات النمو المتسارع التي تركز على تحسين الطفولة المبكرة وتطويرها (للأطفال من عمر صفر وحتى 8 سنوات) في مجالات الصحة والتغذية والرعاية المبكرة والتعليم المبكر وحماية الطفل ودعم الأسرة. وبدأنا في بداية الأمر بتوفير تدريبي شخصي يتطلب حضوراً في أبوظبي، ولكن مع ازدياد مخاطر انتشار فيروس كوفيد-19 وبدء الحكومات حول العالم بفرض قيود على السفر والتنقل واعتماد إجراءات وقائية واحترازية أخرى، قررت العودة لمنزلي في سويسرا لأكون مع عائلتي. ومثلنا مثل جميع الشركات وفرق العمل حول العالم، قمنا في “Seedstars” وهيئة أبوظبي للطفولة المبكرة بالتعاون معاً لتحويل التدريب في برنامج “Anjal Z” إلى تدريب افتراضي.
وقد ساهم توفير التدريب الافتراضي في هذه الظروف غير المسبوقة في ظل انتشار جائحة كورونا في منحي نظرة جديدة حول ريادة الأعمال والمرونة والابتكار. واليوم أكثر من أي وقت مضى، أشعر بالقلق تجاه منظومة وبيئة الأعمال العالمية لأنني عملت سابقاً في مجال الخدمات المالية والاستشارات الإدارية ( مع التركيز على الابتكار واستراتيجيات الأعمال) في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، وأدرك تماماً مدى مقاومة الشركات للتغيير. ولكن وبلا شك فإن كوفيد-19 قد دفع العالم نحو عصر جديد في منظومة الأعمال العالمية، ولا تمتلك الشركات بعد اليوم القدرة على مقاومة التغيير.
وبينما تعودت الشركات الناشئة على سرعة اتخاذ القرارات واعتماد نماذج أعمال والشروع بمحادثات صعبة حول معدل الاستنفاد والزمن المتبقي لها قبل نفاذ سيولتها، إلا ان الشركات الكبيرة غير معتادة على ذلك. واليوم فيروس كوفيد-19 سيغير الحياة التي نعرفها لأشهر قادمة ويمكن لسنوات قادمة. ولذلك فإن الشركات غير الراغبة او القادرة على التعلم والنمو والتأقلم، لن تكون قادرة على التعافي. إنني أعرف أن تطوير ثقافة متينة للابتكار يمكن ان يكون شاقاً للعديد من الشركات، ولكن ذلك ضروري إذا ما أرادت النجاة من الفيروس وتأثيراته ومتابعة النمو في فترة ما بعد كورونا. وأعتقد أننا إذا ما وضعنا هذا المأزق في أذهاننا، فإنه الوقت المناسب لقيام الشركات باستيعاب وتأسيس قاعدة مؤسسية للابتكار.

وقامت الكثير من الشركات ولسنوات خلت، بتأسيس قواعد للابتكار في عدد من أكثر مجتمعات الابتكار حيوية في العالم لكي تكون قريبة من الحدث. ولكن وبحسب إليساندرو دبي فيوري، المؤسس والرئيس التنفيذي للمركز الأوروبي للابتكار الاستراتيجي، فإن معظم هذه المراكز الابتكارية تفشل في تحقيق أهدافها في الترويج للابتكار واستراتيجيات التفكير المتقدم في المؤسسات لأنها لا تقوم بتطوير الإجراءات التشغيلية المقياسية اللازمة لاستخراج القيمة من جهات التواصل والشركات والابتكارات المتاحة بكثرة في هذه المراكز. ورغم ان نموذج قواعد الابتكار يعتبر مفهوماً مثيراً للإعجاب لجذب المهارات والأفكار الجديدة، أؤمن بأنه مهم جداً اليوم بالنسبة للشركات وضع الترويج لقدراتها الابتكارية الموجودة اصلاً ضمن الشركة كأولوية.
واليوم يمكن ان يشير البعض إلى أن أغلب الشركات الكبير تمتلك إدارات خاصة بالأبحاث والتطوير، ولكنني أؤمن بأن هذه النظرة الخاصة بالابتكار المؤسسي ضيقة جداً ولا تتناسب مع يومنا هذا. ولايمكن بعد اليوم للشركات الكبيرة تحمل النظرة الثابتة وغير المتطورة المرتبطة بنموذج إدارات الأبحاث والتطوير. ورغم انه من المهم للشركات الاستمرار بتطوير المنتجات والخدمات التي يوفرونها لقاعدة عملائهم، فإنه من المهم لهم أيضاً تحسين طريقة تشغيل كل إدارة في المؤسسة، لأن كل إدارة تساهم بنجاح المؤسسة وليس فقط إدارة الأبحاث والتطوير. ولكن كيف يمكن للشركات تطوير الحمض النووي الخاص بالابتكار في كل إدارة ضمن المؤسسة؟
شخصياً، أعتقد أن السر يرتبط بإطلاق قدرات إيجاد الحلول للتحديات والمشاكل الكامنة في موظفي المؤسسي، ففي نهاية اليوم، لن تجد أفضل من الموظفين أنفسهم لفهم خفايا العمل وكيفية الاستفادة الأمثل من الموارد والمعوقات ضمن المؤسسة؟ وقد يبدو الأمر غير عملي لي لقيام الشركات بالبحث عن الابتكار في مكان آخر، في حين لم تقم باستثمار الوقت والجهد الكافيين لتطوير وتطبيق ما أسميه ” خط أنابيب ابتكار فعالة” على امتداد المؤسسة. وأدناه أشارككم نموذجاً مبدئياً حول كيفية قيام الشركة بالبدء بتأسيس “خط أنابيب للابتكار” يغطي كافة المؤسسة. وبينما تركز المادة أدناه على الابتكار في قطاع المؤسسات على نطاق واسع، أعتقد أن الجهات الحكومية والمؤسسات الكبيرة الأخرى يمكن أن تستفيد كثيراً من اعتماد تفكير أكثر تغيراً وتأثيراً مثل الذي أود الحديث عنه. أفضل ما في هذا النموذج الذي أقترحه هو انه بإمكان المؤسسات البدء اليوم بالتجارب، وكل ما ينبغي عليهم ان يمتلكوه هو اتصال بالإنترنت ومنصة للتواصل.
- تأسيس “مراكز حاضنة”: يمكن للشركات تخصيص مساحة أو وقت محدد في لكل إدارة للسماح للموظفين بالتجمع والنقاش حول مسائل ومواضيع تؤثر سلباً على إنتاجيتهم، أو عقد جلسات عصف ذهني حول طرق جديدة ومبدعة للترويج للتميز والأداء العالي. وعندما يجد الموظفون الذين يتشاركون نفس الأفكار والشغف بعضهم، يمكن أن يشكلوا فريقاً، ويبدؤون بالاستعداد لتقديم عرض حول أحد الحلول المبتكرة أو التنافس مع الموظفين الآخرين في مسابقات داخلية بين الإدارات.
- تنظيم مسابقات عرض أفكار بين الإدارات: يمكن لعدد من الفرق من مختلف الإدارات تقديم حلولهم للتحديات أو المشاركة في جلسة مع الإدارة التنفيذية. ويمكن أن تقسم فئات المسابقة حسب التحديات التي تواجهها الإدارات ونوع الابتكار أو اعتماد أي تقسيم آخر ذا معنى للإدارة المعنية. ويمكن اختيار فائز واحد أو عدة فائزين من قبل هيئة تحكيم. وبعد المسابقة، يمكن للفرق الفائزة أن تحصل على مزيد من التوجيه والإرشاد من قبل الإدارة التنفيذية العليا (أو من قبل مجموعة من الموجهين الخارجيين) حول كيفية قيامهم بتحسين وتنفيذ برامجهم.
- تنظيم فعاليات موسعة للعروض التعريفية على مستوى الشركة: يمكن للفائزين من كل إدارة عرض أفكارهم على القيادة ومسؤولي الشركة والموظفين، وتقديم شرح حول القيمة المضافة لمشاريعهم وكيف يمكن لحلولهم أو أفكارهم أن تؤثر على الإجراءات التشغيلية العادية الإجمالية للشركة، وكيفية تأثيرها المتوقع على العمليات اليومية في كل إدارة إن وجدت.
- عقد شراكات مع مشاريع ناشئة ذات علاقة: في هذه المرحلة، أشجع مدراء كل إدارة لاستكشاف شبكة وقاعدة الابتكار أو أي شبكة أخرى تحت تصرفهم، لمحاولة التعرف ما إذا كانت هناك شركات ناشئة جديدة أو حديثة تعمل على نفس الأفكار التي اقترحتها الفرق الفائزة. ويمكن للشركة عندها بحث خيار الشراكة أو الاستحواذ على هذه المشاريع الناشئة للمساعدة في تطبيق المبادرات المقترحة. وتطبق العديد من كبرى شركات القطاعين العام والخاص الابتكار المفتوح، وهو عملية مشاركة المعرفة والأفكار مع المؤسسات الأخرى، وهي مسألة وقت فقط قبل أن تتحول هذه إلى ممارسة عادية.
وبمجرد تحقيق النموذج أعلاه، تتحول العملية إلى تكرار مستمر. وفي نهاية الأمر، تختلف كل مؤسسة عن أخرى في مجال الحجم والموارد ومستوى التفكير المبتكر. ويمكن للنموذج الذي طرحته تكراره بشكل فصلي أو كل ستة أشهر، حسب احتياجات الشركة. ويمكن للشركة ان تختار تأسيس مستوى مختلف من ترويج التفكير المبتكر ضمن الشركة. وبغض النظر عن الطريقة التي تختار فيها الشركة الترويج للابتكار، إلا أنني أعتقد أنه من المهم أن تلجأ المزيد من الشركات إلى تأسيس نوع من ثقافة الابتكار التي تروج للسلوكيات الرئيسية التالية:
- الترويج للتفكير الجذري: كما ذكرت سابقاً، لا يعتبر امتلاكك لمنتجات وخدمات قديمة عفا عليها الزمن الأمر الوحيد الذي يجعل من شركتك مهملة، لأن امتلاكك لإجراءات تشغيلية عادية قديمة او عقليات قديمة يمكن أن يحدث نفس الضرر لشركتك على المدى الطويل. وبطبيعة الحال، من المهم أن تركز كل إدارة أو شركة على كيفية تحسين آدائها وفعاليته مهما كان ما تفعله.
- تشجيع تفاعل الموظفين وتواصلهم: كلما ازدادت سعادة موظفيك، كلما تطور عملهم وأخلصوا وتفانوا في آدائه. الترويج لثقافة الابتكار والرفاهية هو مسألة هامة في هذا الزمان، لأن جيل الألفية، وعلى عكس من سبقهم من الأجيال، تقل احتمالية بقائهم في الوظيفة التي لا يشعرون فيها بأنهم يتطورون مهنياً أو يساهمون من خلالها تجاه المجتمع. وبحسب تقرير استبيان ديلويت العالمي للألفية 2019، 49% من جيل الألفية الذين شاركوا بالاستبيان، ذكروا أن سيستقيلون إذا سنحت لهم الفرصة من وظائفهم الحالية خلال السنتين القادمتين، وذلك بنمو بنسبة 38% مقارنة بالعام 2017. ومن بين الأسباب التي ذكرها هؤلاء لقرارهم هذا هو عدم رضاهم عن رواتبهم وغياب فرص التطور والتقدم المهني. وبينما قد لا يعالج النموذج الذي اقترحته كل هذه المسائل التي تواجهها الشركات على صعيد المحافظة على الموظفين، إلا أنني أؤمن بأنه يعالج العديد منها.
- الترويج للتعاون بين الإدارات الداخلية: أحد أكبر التحديات والمشاكل التي تواجه المؤسسات الكبيرة هو العمل الانفرادي لفرق العمل والإدارات وغياب التعاون والتنسيق فيما بينهم. ولذلك كل إدارة أو فريق عمل لا يعلم ما الذي يحدث مع الفرق أو الإدارات الأخرى مما يؤدي لهوية مؤسسية مفككة، وانعدام التواصل وحدوث “تسرب” في “خط أنابيب الابتكار” بالشركة. وإذا ما تم اعتبار مشاركة القيمة ركناً هاماً من أركان “خط انابيب الابتكار”، يمكن عندها للشركات تفادي حدوث أزمة هوية، والترويج لمزيد من الشراكات والتعاون بين الموظفين.
- تشجيع التعاون والتفويض عند الحاجة: القادة الحقيقيون، سواء أكانوا من ذوي المناصب أم لا، يعلمون متى يطلبون المساعدة، أو حتى متى “يسلمون الراية”، إذا كان هناك شخص آخر أكثر قدرة وكفاءة على تنفيذ المهمة. ويساهم تشجيع فرق الابتكار المؤسسي على التعاون مع الشركات الناشئة على إكساب الموظفين رؤى ومهارات قيمة، ومساعدتهم أيضاً على تعلم أهمية وقيمة تفويض المهام في عملية الابتكار. وفي كلتي الحالتين، هي معادلة رابحة للجميع.
وفي حين أن الكثير من الشركات قد أخذت على غرة من تأثيرات وباء كوفيد-19 على عملياتها، إلا انني أعتقد أنها كانت مسألة وقت فقط قبل بروز عامل مثل هذا الوباء كافٍ لإرسال موجات صادمة في المنظومة الاقتصادية العالمية. أعلم انه ليس سهلاً سماع ذلك، ولكن يتوجب علي قول ذلك. لقد كانت العديد من بيئات الأعمال العالمية تمارس عملياتها التشغيلية لعقود خلت بأسلوب غير مستدام. الوضع الحالي خدعنا ومنحنا شعوراً كاذباً بالأمان والرضا عن النفس، إلا أن التأثير المفاجئ والعشوائي لوباء كوفيد-19 أرسل لنا إنذاراً واقعياً بأننا لم نعد قادرين على مقاومة التغيير.
ومثلما قال رئيس مجلس الإدارة السابق والرئيس التنفيذي السابق لجنرال إليكتريك جاك ويلش مرة:” إذا كان معدل التغيير من الخارج يتخطى معدل التغير من الداخل، فالنهاية قريبة.” وبالنسبة لي، هذه الكلمات لا تشير فقط إلى الإمكانات الابتكارية للشركات وبيئات الأعمال حيث تتواجد، بل تشير كذلك إلى القيم التي نؤمن بها والقيم التي اخترنا ممارستها. الابتكار المؤسسي لا يعني شيئاً إذا لم يكن مستنيراً وموجهاً من خلال القيم الأساسية كالشمولية والاستدامة. وإذا كانت هذه الأوقات العصيبة قد علمتنا شيئاً، فهو أننا أقوى عندما نعمل مع بعض ولأجل بعضنا.