بقلم: مسلم كامل الأخرس
لقد واجهت جميع المشروعات في كل دول العالم أزمة نوعية غير مسبوقة, وربما لن تتكرر, هي أزمة كورونا التي تتشابه في معطياتها وظروفها العامة, والفروقات في توصيف المشكلة ليست كبيرة, بداية من أزمة السيولة المالية الناتجة عن تغيب العملاء, وانتهاء بدرجة الخطر الكبيرة التي تهدد حياة المشاريع, ومن النادر المؤسف الذي تحقق في أزمة كورونا أن أفكار التعامل مع الأزمة متقاربة, ومن الصعب إيجاد فكرة إبداعية في ظل وجود الحجر الصحي المفروض من الحكومات لضمان سلامة المجتمع.
إن فهم المشكلة التي تواجه المشروع هو نصف حلها بالنسبة للإدارة, ومشكلة كورونا تتلخص بالآتي:
- التوقف التام للمشروع عن العمل, سواء بسبب قرار من الدولة أو بسبب غياب العملاء نتيجة الحذر العالمي لانتشار المرض في المجتمعات.
- استمرار التوقف لفترة طويلة, وبالرغم من اختلاف تقدير المدة من مشروع إلى آخر بحسب النشاط والمرحلة الزمنية للمشروع وقوته وضعفه إلا أن أزمة كورونا جعلت المدة طويلة على الجميع.
- عدم القدرة على تحديد نهاية التوقف, والرجوع إلى الحياة الطبيعية, وكما يرد من مؤسسات الأبحاث الصحية العالمية فإن الحديث عن وجود أزمة كورونا يضع فترة زمنية لا تقل عن ستة أشهر, وتتجاوز السنة في بعض التقديرات, كما تظهر بعض مراكز الأبحاث موسمية المرض واحتمالية عودته مرة أخرى.
- إنهاء أو اضعاف السيولة المالية لاستخدامها في دفع المصاريف المستمرة للمشروع من أجور وإيجار ومصروفات أخرى لم تتوقف مع أزمة كورونا.
وهذا التوصيف للأزمة يطرح في مضمونه السؤال الملح كيف تتعامل الإدارة مع هذه الأزمة؟, وهذا التوصيف نفسه يوضح أنه وفي كل الحالات ومع كل المهتمين والعاملين والمستشارين في مجال الأعمال ستكون الضبابية هي سيدة الموقف نظرا لغياب المعلومة الصحية الأكثر أهمية الآن وهي: متى سينتهي المرض تماماً؟

وهذا التوصيف يجعل كل ما نطرحه من حلول مبني على رؤيتنا القصيرة جداً, والتي لا تتجاوز الواقع لمستقبل قد يمتد إلى سنوات, وجميع التوصيات مبنية على هذه الحالة النوعية من الازمات التي نواجهها اليوم, وافضل ما يمكن للمدراء القيام به خلال هذه الأزمة وللتعامل مع تبعاتها هو:
- اجتهد لتخسر الجولة وتكسب المعركة: يجب أن تدعو الناس إلى الالتزام بتعليمات الحكومات الخاصة بالحماية من خطر كورونا, وذلك لتفعل ما تستطيع فعله لتقليل مدة الحظر, فمرحلة الحظر هي جولة خاسرة ويجب أن تقر بذلك وتتقبله وتقاتل من أجل اجتيازها بسرعة
- القرار الخاطئ اليوم أثره أقوى من اللاقرار ومن القرار الصحيح, لأنه يهدد حياة المشروع بالدرجة الأولى, ولذلك اتخذ قراراتك بعناية, وابحث عن المساعدين الأكفاء.
- يجب ان تعرف بان قرار الحصول على تمويل لا يعتمد على حاجتك إلى السيولة المالية بقدر ما يعتمد على طبيعة المشكلة التي تواجهها, لذلك اول عمل يجب عليك القيام به هو تعريف المشكلة, فإذا كانت المشكلة هي عدم القدرة على الالتزام بالتكاليف والمصاريف, فهذه مشكلة كل مشروع الناتجة عن أزمة كورونا, وادعوك لقراءة مقالتي: أزمة كورونا المالية للمشروعات للتعامل معها.
- كل مشروع هو حالة خاصة ومستقلة تماما عن المشاريع الأخرى, ولا يتطابق التعامل مع المشروعات الا في العموميات الخارجية, أما التفاصيل الداخلية فتختلف من مشروع لآخر, فلا يمكننا التعامل مع مصنع انتاج كمامات مثل التعامل مع مطعم, والمشروع الذي لديه عدد قليل من العاملين يختلف عن من لديه عدد كبير, والمشاريع في سوق المنافسة الكاملة تختلف عن تلك التي تعمل في منافسة محدودة, والتاريخ الزمني للمشكلة يؤثر فهل هي مشكلة جاءت مع أزمة كورونا أم هي موجودة من قبل وازدادت أم أنها موجودة واستمرت, وحجم الاحتياطي النقدي, .. الخ
- كن حازما واعتمد على الأرقام, لا تعتمد على النظرة التفاؤلية أو التشاؤمية, لإن مدى التوقع قصير جداً, وضبابية الرؤيا في مجالات الاعمال المختلفة تسود العالم اجمع بعد كورونا.
- لا تجازف إلا إذا كان ليس لديك ما تخسره, مثل أن يكون لديك مدة في عقد الإيجار مدفوع, أو يكون لديك عقود توريد مدفوعة أو ما شابه, فيما عدا ذلك احذر من المجازفة بدفع أموال في هذا الوقت, وكن متحفظاً جداً.
- وسع علاقاتك التجارية والمهنية: فهذا التصرف الذي يبدو بسيطاً قد يكون طوق النجاة لكثير من المشروعات, فهو يساعد على تنقيح الأفكار من خلال خبراء يعملون في نفس المجال, كما انه يفتح باب العلاقات التجارية من دمج للمشروعات, وشراكات وتفاهمات قائمة على المصلحة المشتركة.
- تعلم وطور نفسك: بعض الأساليب والطرق المستخدمة في التعامل مع الازمات انتهت تماما مع أزمة كورونا, وبعضها توقف مؤقتاً عن العمل إذ أصبحت الاستراتيجيات والتكتيكات المعروفة غير مناسبة مع هذه الأزمة النوعية الجديدة, وأصبح لزاماً على كل من يعمل في مجال الإدارة البحث عن المعرفة وتطوير المنهجيات والطرق في التعامل مع الأزمات لتتناسب مع نتائج هذه الأزمة.
أن الاعتبار الوحيد الذي يساعدنا في تقبل أزمة كورونا أولاً, واجتيازها ثانياً هو اعتبار أننا ننزل إلى أقرب نقطة من الأرض بهدف القفز بقوة إلى الأعلى, ورغم جمالية هذا الوصف الذي يحتاجه المديرون اليوم للتخفيف عليهم, إلا أنني لا أستطيع أن اذكره دون التنبيه بأن حجم المجازفة مساو تمام لدرجة النزول الاضطراري للأسفل, وهي ما تعبر عن خسائر فترة كورونا, والقدرة على ضبط حركتك عندما تكون في الهواء وهو تقدمك بعد نهاية أزمة كورونا.