في حين توفر جائحة كورونا مخاطر وتحديات للأعمال في بعض المجالات، إلا أنها تتيح كذلك فرصاً لأعمال أخرى. والمفتاح هو إدراك وجود مخاطر محتملة بينما نستكشف الاحتمالات الأخرى في نفس الوقت.
مترجم بتصرف: مقال لـ جاد هندي
بالتزامن مع إغلاق الشركات والمؤسسات لأبوابها، وحثّ الحكومات لمواطنيها على البقاء في منازلهم، ظهر الأثر العالمي العميق الذي أحدثه فيروس كورونا المستجد. ففي شركة “إم آر إم” التي اعمل فيها، انتقلنا إلى العمل من المنزل. وحتى هذه اللحظة، لا نزال نحرص على تنفيذ مشروعاتنا والحفاظ على الوعود التي قطعناها لعملائنا. ورغم ذلك، لا يسعنا إنكار أن الشركات، ولا سيما تلك التي تعتمد على التسويق والإعلان، تواجه عددًا من أكبر التحديات في طريقها؛ فقد أُلغيت العديد من الفعاليات التسويقية المهمة، وعلى رأسها ملتقى مؤتمر الهواتف العالمي في برشلونة، وقمة التسويق العالمية لموقع التواصل الاجتماعي الشهير فيسبوك، ومؤتمرات المطوّرين إف 8، والمجمع السنوي ساوث باي ساوث واست، وبيسكامب دبي الذي تنظمه “سيلزفورس”، بالإضافة إلى العديد من الأحداث والفعاليات الأخرى. ويرجع السبب في ذلك إلى المخاوف المرتبطة بجائحة فيروس كورونا المستجد. وللأسف، لن ترى العديد من الشركات هذه الأموال مرة أخرى، بيد أنه حتى في أعقاب تفشي هذه الجائحة، قد يكون هناك جانب مشرق لشركات التسويق.
التحوّل إلى الأنظمة الرقمية
يرى المحللون أنه من المرجح أن تشهد شركة “جوجل” العالمية الشهيرة تراجعًا سنويًا تدريجيًا بنسبة 15% في عائداتها من إعلانات السفر والرحلات خلال الربع الأول، وتراجعًا آخر بنسبة 20% خلال الربع الثاني بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد. ورغم تلك التحليلات، هناك أخبار سارة؛ حيث لا يرى الجميع أن تقليص الميزانية هو الحلّ. فقد عرض تيم جينسين، مدير الحملات في شركة “كليكس ماركيتينج” التسويقية، رؤيته حول عالم محرك البحث، والتي يذكر فيها ما يلي: “في حين تتقلص دائرة المعارض التجارية، يبحث بعض العارضين عن وسائل أخرى لزيادة مبيعاتهم. لقد تحدثت مؤخرًا مع عميل يشهد إلغاء إقامة العديد من المعارض التجارية، ويتمنى لو تتحول تلك المعارض تحولاً أكبر إلى العالم الرقمي للتعويض عن خسارتها لعملائها الجدد الذين عادةً ما تستقطبهم خلال إقامة فعالياتها”.
وهناك تحوّل تسويقي آخر متجه نحو الفعاليات الافتراضية؛ فحتى شركة “مايكروسوفت” العملاقة قررت تحويل أكبر فعاليتها خلال هذا العام، وهي مؤتمر بناء المطوّرين، إلى فعالية افتراضية. ويتيح هذا التوجه فرصة مواتية للشركات الناشئة العاملة في إقامة الفعاليات والأحداث الافتراضية مثل منصّة “هوبين”، التي تجمع بين نمط البثّ المباشر الذي تتبعه منصة “تويتش”، ونمط المؤتمرات المرئية الجماعية لشركة “زووم”، والمحادثات الفردية بين الأشخاص. كذلك، بدأ القطاع المصرفي في تحويل عملياته إلى الأنظمة الرقمية، ومثال على ذلك خطط مجموعة الخدمات المصرفية “نيدبانك” العاملة في جنوب أفريقيا لتسريع تنفيذ استراتيجيتها الرقمية ونشرها في جميع أنحاء القارة السمراء بسبب تجنب العملاء للتعامل بالخدمات المصرفية المباشرة للحدّ من مخاطر الإصابة بفيروس كورونا المستجد. كما تستهدف على المدى الطويل النجاح في رفع أسهم مبيعاتها بنسبة 75% من خلال القنوات الرقمية، وزيادة عدد عملائها المتعاملين على تلك القنوات الرقمية بنسبة 70%.

وستزداد قوة التحوّل إلى التقنيات الرقمية، وذلك بحسب ما ذكره “ستيوارت ماكاي”، المدير العام لشركة “ريبرايز دبي”؛ حيث يقول: “هذه هي الأزمة الصحية الأكبر والأبرز من نوعها، والتي لحسن حظنا وقعت في ظلّ هذا العصر الرقمي الحقيقي. وخلال مثل هذه الأوقات غير المستقرة، من الضرورة بمكان أن تتكيّف المؤسسات سريعاً معها، وأن تسعى وراء اقتناص فرص نمو جديدة. كذلك، تتيح الوقائع الفعلية المرتبطة بتغيير سلوكيات المستهلكين في هذا العصر الرقمي فرصة سانحة لتجار التجزئة؛ حيث يمكن تحسين خطوط الإنتاج ونماذج الأعمال ومشاركة العملاء وقنوات البيع وتبسيطها من خلال استحداث التقنيات الرقمية والتجارة الإلكترونية. وسيكون الاستغلال الأفضل للبيانات والتقنيات الحديثة بغرض إضفاء مزيد من التحسين على التجارب الفردية للمستهلكين هو القول الفيصل في ميدان النصر أو الهزيمة في هذه المعركة.”
فرصة التجارة الإلكترونية
أغلقت عدد من كبرى العلامات التجارية في قطاع التجزئة، مثل “ستاربكس” و”نايك”، و”آبل”، متاجرها مؤقتاً في بعض المناطق الصينية، في حين تعرضت متاجر التجزئة الأصغر حجماً إلى أضرار جسيمة بسبب انخفاض أعداد زوارها. وعلى الصعيد العالمي، يؤدي تراجع زيارات المتاجر إلى زيادة نشاط التجارة الإلكترونية؛ فعلى سبيل المثال، يتحول المستهلكون في الصين إلى تسوق احتياجاتهم من البقالة عبر الإنترنت. ووفقًا لسلسة متاجر التجزئة الفرنسية “كارفور”، زادت شحنات الخضروات بنسبة 600% سنويًا خلال فترة السنة القمرية الجديدة. كذلك، شهد موقع JD.com، الذي يعد أكبر موقع بيع بالتجزئة على شبكة الإنترنت في الصين، ارتفاعًا هائلاً في مبيعات اللوازم المنزلية اليومية بمقدار أربعة أضعاف مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. وهكذا، مع استمرار المزيد من المستهلكين في تجنب الوجهات المزدحمة في الأماكن العامة، ستزداد أعداد المتحولين منهم إلى تجربة التسوّق عبر الإنترنت للحصول على احتياجاتهم الأساسية.
بطبيعة الحال، قد يؤدي ذلك إلى إرهاق الشركات التي يستلزم الأمر منها التعامل مع عمليات التسليم المتأخرة، أو مع السلع غير المتوفرة بسبب زيادة الطلب عليها. وفي حال كنت تبيع المنتجات مثلاً على موقع التجارة الإلكترونية الشهير “أمازون”، من الضروري ألا تنفد السلع من مخزونك حتى لا تتعرض للعقاب من خلال خوارزميات البحث العضوي والإعلان المطبقة على الموقع؛ فإذا ما نفد مخزونك من سلعة معينة لأكثر من 30 يومًا، فسيتم اعتبارها كما لو لم يكن لديها سجل مبيعات سابق فور توافرها مرة أخرى. وهذا يشير إلى أن تصنيف المنتج بالنسبة إلى أهم كلماته الرئيسية سيشهد تدهورًا ملحوظًا، وينخفض ترتيبه بين نتائج البحث. لذلك، أهمّ ما يتعين على أصحاب الأعمال الانتباه إليه هو توفير المنتجات والسلع بشكل دائم، وكذلك التزام الشفافية مع المستهلكين في حالة أي تأخير متوقع.
الرياضات الإلكترونية لسد الحاجة
يحثّ الخبراء على التباعد الاجتماعي لمكافحة الفيروس، وتشكّل الفعاليات الرياضية أحد الأحداث الأكثر تضرراً في هذا الموضوع، وهي تعدّ بمثابة ضربة قاصمة لقطاعات المسوّقين والمعلنين من حيث الخسائر في مبيعات التذاكر وعائدات الإعلانات. وفي غضون يوم واحد، توقفت كل مباريات الدوري الرياضية الكبرى في الولايات المتحدة لعدة أسابيع قادمة في محالة للتصدي للجائحة المتزايدة. كما تأثرت الرياضات الإلكترونية بإلغاء مباريات دوري أبطال كوريا بسبب الإعلان عن المزيد من الحالات المؤكدة المصابة بفيروس كورونا المستجد في كوريا الجنوبية.
وعلى الجانب الآخر، يمكن أن تساعد الرياضات الإلكترونية أيضًا في سد الفجوة؛ فعلى سبيل المثال، تم تأجيل بداية موسم سباق السيارات فورمولا ون 2020 في أعقاب تفشّي فيروس كورونا المستجد، وألغيت معه جائزة أستراليا الكبرى لسباق السيارات. كما أُجلت سباقات السيارات في كلٍ من البحرين وفيتنام في أعقاب ذلك بوقت قصير. بيد أنّ هذا لم يمنع سائق الفورمولا 1 الشهير “لاندو نوريس” من المشاركة في الرياضات الإلكترونية لإشباع رغبته في التسابق؛ حيث تنافس “نوريس”، ولاعب كرة القدم “ثيبوت كورتوا”، وسائق الفورمولا إي “ستوفيل فاندورن” ضد محترفي الرياضات الإلكترونية ومشاهير موقع يوتيوب لنيل جائزة أستراليا الكبرى الافتراضية.
يقول “جو زغبي”، الخبير في الرياضات الإلكترونية ومؤسس “ديفاين فينديتا”: “لقد ولدت الرياضات الإلكترونية من رحم الأنظمة الرقمية، وبينما كانت تشقّ طريقها في عام 2020 نحو المزيد من الفعاليات على أرض الواقع، صادفت هذه الخطوة إلى الوراء بالتأكيد. ومع ذلك، سيشهد استهلاك الألعاب الإلكترونية ونسب مشاهدات فعاليات الرياضات الإلكترونية زيادة هائلة الآن، وهذا ما لاحظناه في بطولة بي إم سي أو الحالية للعبة ببجي موبايل. وتعد فعاليات الرياضات الإلكترونية في الوقت الراهن المصدر الواقعي الوحيد للترفيه المباشر، وستتوافد عليه جماهير جديدة للاستمتاع به، وبطريقة أو بأخرى، ستبدأ العلامات التجارية في ملاحظة ذلك بصورة أكبر، وستدرك عاجلاً وليس آجلاً ضرورة أن تصبح جزءًا من هذه المنظومة.” وبخلاف كرة القدم أو الرجبي، لا يتطلب مجال الرياضات الإلكترونية الذي وصلت قيمته إلى المليار دولار أي تجمعات اجتماعية. ومع استمرار توقف المزيد من الفعاليات الرياضية المباشرة، قد تكون هناك فرصة سانحة للرياضات الإلكترونية لجذب شريحة جديدة من الجمهور إليها.
انخفاض المنافسة يعني زيادة الحصّة السوقية
خلال فترة الركود الاقتصادي، ستجد أن حدّة المنافسة قد باتت أقل. وفي بعض الحالات، يشير ذلك إلى إمكانية حصولك على صفقات رابحة؛ مثل الانخفاض المحتمل في إعلانات الدفع بالنقرة. وإذا استمرت أسهم السوق في الاتجاه نحو الانخفاض، فسوف تكافح العديد من الشركات لسداد ديونها، مما يعني أنها قد تفلس، أو تشتريها أو تنقذها الحكومة. وإذا كانت لديك بعض الأموال السائلة، فقد يكون هذا هو أفضل وقت لشراء شركات أخرى – لا سيما الشركات الإعلامية؛ فمع زيادة إحكام سيطرتك على الحركة التجارية، ستتمتع بقوة أكبر في المستقبل. ومثالٌ على ذلك “نيل باتيل”، المؤسس المشارك لشركة “نيل باتيل ديجيتال”. عندما اشترى موقع “كيس ميتريكس” الإلكتروني بمبلغ 500,000 دولار أمريكي، كان يتوافد على الموقع ما يزيد عن مليون زائر غير مكرر شهريًا. وفي اللحظة التي دمج فيها هذا الموقع في موقع NeilPatel.com، ازدادت أعداد العملاء المحتملين بنسبة 19%، واسترد قيمة استثماراته في أقل من عام. وبعبارة أخرى، هذه اللحظة هي فرصتك لاقتناص حصة من السوق.
ورغم أن فيروس كورونا المستجد يمثل مخاطر تجارية في بعض المجالات، إلا أنّه يوفر أيضًا فرصًا مواتية في مجالات أخرى. والمفتاح يتمثل في إدراك التحديات المحتملة وفي الوقت نفسه محاولة استكشاف الاحتمالات.