مترجم بتصرف: مقال لـ ميجا ميراني
قد لا يكون هناك وجه مقارنة مع سلسلة الهايبرماركت الضخمة، ولا حتى يمتلك البنية التحتية التي تمتلكها شركات البقالة الإلكترونية المعروفة، ولكن محلاً صغيراً عند زاوية شارع في أحد أقدم وأرخص الضواحي السكانية في دبي، وجد طريقه نحو التحول الرقمي للمحافظة على وجوده وبقائه في ظل انتشار وتفشي فيروس كورونا المستجد.
معتمداً على الزبائن الذي يقصدونه مشياً على الأقدام لشراء الخضراوات والفواكه، وزبائنه الأوفياء الذي يضعون طلباتهم عبر الهاتف، وجد المحل الواقع في منطقة الكرامة نفسه في أزمة مع تدهور أعماله نتيجة تأثيرات الفيروس وحالات الإغلاق للمحال.
يقول بي كيه جولاتي متحدثاً عن المتجر الذي بدأت عائلته مؤخراً بشراء المحصول الطازج منه:” تعرفنا على هذا المتجر عبر رسالة تمت مشاركتها من قبل إحدى الأمهات على مجموعة تواصل واتس أب مدرسية، شرح فيها أنه لا يمتلك موقعاً إلكترونياً ولكنه يبع نوعيات جيدة من الخضراوات والفواكه الطازجة بأسعار أرخص من سلسلة المتاجر الكبرى، وأنه بإمكانه توفير خدمات توصيل لا تلامسية. وشخصياً وجدت الطريقة بسيطة وسهلة ومنذ ذلك الوقت ونحن نطلب من عنده.”
يقول جولاتي، المبتكر في مجال التقنية والذي يمتلك عقدين من الخبرة في دعم الشركات التقنية، أنه توجد هناك الكثير من الفرص رغم ما تواجهه العديد من الشركات حول العالم مما توقعه ووصفه صندوق النقد الدولي بأسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد الكبير قبل قرن مضى مضيفاً:” معظم الشركات التقنية تأقلمت وستستمر بالتأقلم سريعاً مع الأزمة.”
وفي مواجهة التحديات، قامت “دبي للمشاريع الناشئة”، التابعة لغرفة تجارة وصناعة دبي، بإطلاق عدد من مبادرات الدعم لمساعدة المشاريع الناشئة على استدامة نموها لمواجهة تحديات الأسواق الحالية الاستثنائية. وقد أطلقت مؤخراً بالتعاون مع شركة “جودادي” ورشة افتراضية لتعزيز التواجد الإلكتروني للشركات الناشئة، ومساعدة هذه الشركات على تأسيس حضور إلكتروني لها وتعزيزه في فترة قصيرة. كما أعلنت مبادرة “دبي للمشاريع الناشئة” عن إطلاق الدورة الخامسة من مسابقة دبي لرواد الأعمال الذكية وبرنامج تدريبي إلكتروني متخصص لمساعدة رواد الأعمال على النمو وتعزيز مكانة دبي كوجهة عالمية للابتكار.
تقول ناتاليا تشيفا، مدير ريادة الأعمال في غرفة دبي:” البرنامج التدريبي هو الأول من نوعه نظراً لأن هذا النموذج التدريبي المبتكر يأخذ بالاعتبار الظروف الاستثنائية الني نعيش فيها، وكيفية تحسين وتطوير قدرات ومهارات رواد الأعمال والمشاريع الناشئة للمحافظة على النمو وتحقيق استدامته في هذه الأوقات.”
وسيستفيد رواد الأعمال من أكثر من 100 جلسة تدريبية إلكترونية فردية وجماعية، بالإضافة إلى العمل مع مدربين وموجهين لتحسين النماذج المالية والعملية الخاصة بمشاريعهم.
يلفت جولاتي إلى أن فيروس كورونا المستجد دفع كل الشركات على اختلاف أحجامها وأشكالها إلى التحول الرقمي في سرعة قياسية وباستخدام القليل من الموارد، مثبتين أن آلية التحول لا تتطلب الكثير من السنوات ولا الميزانيات الضخمة التي أدت إلى تخلف العديد من قادة الشركات عن البدء بالاستثمار فيه. ويضيف قائلاً:” في السابق، وفي معظم الحالات، كانت الشركة تقوم باستدعاء الرئيس التنفيذي للمعلوماتية أو الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا، والطلب منهم تزويدهم بإطار زمني وميزانية لمشروع التحول، ويكون الجواب أن الأمر يتطلب 2-3 سنوات تشمل التدريب والربط وغيره وبميزانية تصل إلى عشرات الملايين من الدراهم. ولكن الحقيقة أن الجميع نجح في التحول الرقمي في غضون أسبوع وبدون شكاوى.”

وقد أجبر فيروس كورونا المستجد الشركات غير التقنية على إعادة التفكير بخدماتها ومنتجاتها وخصوصاً الشركات التي تأثرت كثيراً والعاملة في قطاع الضيافة والطيران والسياحة. يقول فيناياك ماهتاني، الرئيس التنفيذي لشركة “bnbme” لإدارة بيوت العطلات انه لجأ إلى نماذج لا يقدمها منافسوه في السوق، مضيفاً:” فعلى سبيل المثال، نحن لا نتنافس مع عملاء قطاع العقارات لتأجير مرافقنا على المدى المتوسط، وقد بدأنا مؤخراً بقبول عقود تصل إلى ثلاثة أشهر وهو الأمر الذي لم نكن نقوم به في السابق.”
وقد قامت شركة “bnbme” كذلك بنشر فرق الضيافة والصيانة التابعة لها في العقارات السكنية.” يمكن لهذا الأمر أن يساهم بإنشاء قسم جديد عندنا”، يقول ماهتاني، مشيراً إلى أن أصحاب المنازل يشعرون بالراحة عند الاعتماد على موظفيه نظراً لامتلاكهم خبرة في قطاع الضيافة. وبالإضافة إلى ذلك، وعندما توقفت عمليات الشركة مع قطاع الفنادق مؤخراً، بدأ ماهتاني باستخدام مكتب الشركة في الصين لإيجاد لوازم متعلقة بفيروس (كوفيد-19)، وهي خطوة ساهمت في جعل فريقه مشغولاً جداً بتأدية هذا العمل.
ولكن في نفس الوقت، اعترف جولاتي إن التأقلم مع الأزمة سهل قولاً أكثر من الفعل. فبينما يستكمل الفيروس انتشاره حول العالم، مصيباً الملايين، هناك الكثير من الشركات حول العالم تتجه لخسارة أهدافها المالية بسبب التغيرات التي أحدثها الفيروس. وتوقع صندوق النقد الدولي في أبريل أن ينكمش الاقتصاد العالمي بـ 3% في 2020، بشكل مخالف جداً عن توقعاته في يناير التي توقع فيها ان الناتج الإجمالي المحلي العالمي سينمو بـ 3.3% خلال العام.
يقول جولاتي:” ” من المنطقي القول أو النصح بأن نخفض الإنفاق ونجني أكثر ونجمع سيولة نقدية، ولكن عندما تكون النفقات مثل الإيجارات والرواتب ودفعات القروض وضريبة القيمة المضافة ثابتة، في حين أن الدخل بات محل تساؤل مع انخفاض الطلب، فحينها لن يستطيع الأفراد الإلتزام بعقودهم، وكل ما يمكنك فعله حينها هو إعادة التفاوض قدر الإمكان.”
وذكر جولاتي، مؤسس “Smart Start Fund”، والرئيس الفخري لـ “TiE Dubai”، الفرع المحلي لسيليكون فالي، الذي أسس “Indus Entrepreneurs (TiE)” وكان مستشاراً أولاً لمؤسسة دبي للمستقبل، أنه يعرف قصصاً عن أصحاب عقارات قدموا تسهيلات لشركات ناشئة بعدم دفع الإيجار لفترة محددة بعد طلبهم ذلك. ويقدم جولاتي نصائحه لمؤسسي الشركات بأن يكونوا شفافين مع الموظفين والباعة والزبائن لأن الموضوع لا يرتبط فقط بعدم القدرة على الدفع، بل لأن كل شيء ليس كما كان من قبل.
وتوقع ماهتاني إن فترتي ما قبل كورونا وما بعده ستصبحان فترتان ثابتتان للمقارنة، ويضيف قائلاً:” إنها أوقات صعبة، والسيولة النقدية هي الأساس. وبالنسبة للشركات الناشئة، إذا كانت لا تملك سيولة، وتعمل في قطاع لا يبدو أنه سيتعافى خلال الإثني عشر شهراً القادمة، فإنه من الأفضل لها أن تغلق، أو تعيد النظر في الفرص المتاحة أمامها للـ 18 شهراً القادمة. والاستفادة من هذا الوقت لتحسين جوانب النقص لديها، لأن كل نماذج الأعمال ستتغير.”
الحظ المتباين لنموذجي ما قبل وما بعد كوفيد-19 سيؤثر على حياة الملايين، مع تحول العالم إلى النموذج العادي الجديد الذي وضعه فيروس كوفيد-19. ولكن التأقلم يمثل فرصة كبيرة للتحول وابتكار أفكار عظيمة جديدة.
يضيف جولاتي:” مؤسسو المشاريع الناشئة يعتبرون مجازفين بالفطرة، فهم يلجؤون لشق طريقهم بسرعة عوضاً عن العمل في وظيفة مريحة، حيث اختاروا أن يكونوا خالقي وظائف. هم يفكرون دائماً بالاحتمالات والأفكار، وهم الآن في أفضل وضع لسد الثغرات واستكشاف الفرص.”
ويضيف جولاتي إن الفرص الكبيرة تبرز اليوم في مجالات تقنية التعليم والتقنيات المالية والتكنولوجيا التعاونية، حيث إن برنامج الاتصالات والمؤتمرات المرئية “زووم” تقدر قيمته الآن بالقيمة السوقية الإجمالية لشركات الطيران الأمريكية وإكسبيديا وهيلتون. وقال توماس موريان، الرئيس التنفيذي لـ “لGoogle Cloud” في منشور على مدونته في 31 مارس، إن العدد الإجمالي لدقائق الاجتماعات اليومية على منصة “Google Meet” المرئية تخط ملياري دقيقة يومياً، أي تقريباً عدد الدقائق في 3,800 سنة. كما شهدت شركات مثل “نتفليكس” و “أمازون” و”بيلوتون” نمواً كبيراً في أسهمها لمستويات قياسية خلال هذه الفترة.
وقريباً من منازلنا، فقد شهدت المشاريع الناشئة العاملة في مجال البقالة الإلكترونية، والتطبيقات الذكية التابعة لمحال السوبرماركت وخدمات توصيل الطعام في الإمارات نمواً ملحوظاً في أعمالها، حتى لدرجة ان السلاسل الكبرى وجدت صعوبة لتلبية كل الطلبات الإلكترونية مع ازدياد الطلب بشكل كبير. وبدأت تطبيقات مثل زوماتو وطلبات وديليفيرو بتقديم خدمات البقالة بجانب خدمات توصيل الأطعمة من المطاعم، في حين قامت هيئة الطرق والمواصلات بدبي بتوفير أسطولها من سائقي سيارات الأجرة لتوصيل الطلبات. كما أدخلت “كريم ناو” خدمة جديدة نتيجة الطلب الكبير حيث تقوم بتوصيل حاجيات البقالة والأدوية ولوازم الحيوانات الأليفة وغيرها من الاحتياجات الأساسية في غضون ساعة.
ورغم ذلك، يحذر ماهتاني مؤسسي المشاريع الناشئة بعدم الذعر واتخاذ القرارات بعجالة قائلاً:” نعم، ينبغي عليك التصرف بسرعة واتخاذ قرارات كبيرة، ولكن ينبغي فعل ذلك بناء على بيانات وليس بناء على مشاعر وأحاسيس أو لأن الكل يفعل ذلك. لا تخسر ثقتك، فإذا كنت تؤدي جيداً وعلى الطريق الصحيح من قبل، وكنت مؤمناً بنفسك، فلا تتأثر بما يحدث الآن. فإن ما يحدث من حولنا هو حركة تصحيحية عالمية كان ينبغي لها أن تحدث. ستعود وستعود قوياً كذلك.”
وأضاف جولاتي أن الأزمات عادة ما تكون كدفعة وتنبيه للناس لإدراك إمكاناتهم الكبيرة وتطويرها قائلاً:” التغيرات والمسارات التي نراها اليوم تساوي تماماً التأثير الذي فعلته الهواتف الذكية على أعمالنا، والطريقة التي نعيش بها.”
فبعد كل ذلك، متجر صغير في أحد شوارع الكرامة تأثر بالأزمة ولكنه نجح بالتأقلم والتغير لمواكبة الواقع الجديد.